اليمن بين ضياع البوصلة وغياب المشروع .. وطن بلا فكرة جامعة

منذ ساعة
مشاركة الخبر:

ليس أخطر على الأوطان من الفقر، ولا من الحرب، ولا حتى من التدخلات الخارجية، بقدر ما هو أخطر غياب الفكرة التي تجمع أبناءه. فالأمم لا تقوم على العواطف المؤقتة ولا على ردود الأفعال، بل على مشروع وطني واضح، محدد المعالم، متفق عليه، ومحصّن بالإرادة. وهنا يكمن السؤال المؤلم: هل لدى اليمنيين اليوم مشروع كهذا؟ أم أنهم يدورون في حلقة مفرغة من الشعارات التي لا تسمن ولا تغني من جوع؟

ما نراه على الأرض لا يوحي بوجود مشروع، بل بفوضى مشاريع صغيرة، متناقضة، متصادمة، كل منها يدّعي امتلاك الحقيقة، بينما الحقيقة الغائبة الوحيدة هي “اليمن” نفسه. لقد تحولت البلاد إلى ساحة لتصفية الحسابات، ومختبر للأفكار المرتجلة، ومسرح لقوى لا ترى أبعد من مصالحها الضيقة، حتى بدا الوطن وكأنه تفصيل ثانوي في معادلة الجميع.

إن التشتت القائم ليس مجرد عرض جانبي للأزمة، بل هو جوهرها. فحين تغيب الرؤية، تحضر الفوضى. وحين يتلاشى المشروع الوطني، تتكاثر المشاريع البديلة، وكلها مشاريع ناقصة، لأنها لا تستند إلى إجماع ولا تحمل أفقًا جامعًا. وهنا تتجلى المأساة: بلد عريق، بثقله التاريخي والإنساني، يقف اليوم عاجزًا عن صياغة فكرة واحدة يتفق عليها أبناؤه.

الأسئلة التي تُطرح اليوم ليست ترفًا فكريًا، بل صرخة إنذار: ماذا يريد اليمنيون؟ إلى أين يتجهون؟ وأي دولة يسعون لبنائها؟ هذه ليست أسئلة نظرية، بل أسئلة وجود. لأن استمرار تجاهلها يعني، ببساطة، استمرار الانهيار، وربما ترسيخه كحالة دائمة.

لقد أثبتت السنوات الماضية أن إدارة الأزمات دون مشروع وطني لا تنتج سوى أزمات جديدة، وأن التعويل على الوقت أو على الخارج هو نوع من الهروب المؤجل. فلا الخارج سيبني وطنًا نيابة عن أهله، ولا الزمن كفيل بإصلاح ما أفسدته غياب الرؤية. وحده المشروع الوطني القادر على إعادة ترتيب الأولويات، وتحديد الاتجاه، وإعادة تعريف معنى الدولة.

المؤلم أن الدعوات لإعادة صياغة مشروع وطني جامع تتكرر، لكنها غالبًا ما تبقى في إطار الخطاب، دون أن تتحول إلى فعل سياسي حقيقي. وكأن الجميع يدرك أهمية المشروع، لكن لا أحد مستعد لدفع كلفة الاتفاق عليه. وهنا تكمن الإشكالية: لا يمكن بناء وطن دون تنازلات، ولا يمكن صناعة مستقبل دون شجاعة الاعتراف بالأخطاء.

إن اليمن لا يحتاج إلى مزيد من الشعارات، بل إلى وضوح. لا يحتاج إلى خطابات حماسية، بل إلى اتفاق عقلاني. لا يحتاج إلى تعدد الأصوات، بل إلى انسجامها حول فكرة مركزية: دولة لكل اليمنيين، لا تُقصي أحدًا ولا تحتكرها جهة.

غياب المشروع الوطني ليس مجرد فراغ، بل هو خطر مفتوح، لأنه يترك المجال لكل الاحتمالات السيئة، ويجعل من الانقسام قاعدة، ومن الفوضى نظامًا. وإذا استمر هذا الغياب، فإن السؤال لن يكون: “أين وصل اليمنيون؟”، بل: “هل ما زال هناك يمن يمكن الوصول إليه؟”

إن اللحظة الراهنة، بكل تعقيداتها، ليست نهاية الطريق، لكنها اختبار حقيقي للإرادة. فإما أن ينجح اليمنيون في استعادة مشروعهم الوطني، أو يتركون الفراغ يبتلع ما تبقى من وطنهم. وبين الخيارين، لا مساحة للحياد.