أنا والكلب ولحمة العيد
هذا العيد اكتشفتُ أن الكلاب في حارتنا أفهم من بعض المسؤولين، وأسرع استجابة من وزارة المالية، وأكثر حرصاً على توزيع الثروة بعدالة اجتماعية فورية.
أنا واحد من ملايين اليمنيين الذين استقبلوا عيد الأضحى بلا راتب، وبلا أضحية، وبلا حتى قدرة على شراء “كيلوين عظم مع شوية لحم” لنقنع الأطفال أن العيد ما زال موجوداً على الخريطة. كنا نتابع نشرات الأخبار التي تتحدث عن “تحسن المؤشرات الاقتصادية”، بينما مؤشر بطني كان يصدر صفيراً يشبه إنذار الحريق.
وفي صباح يوم عيد الأضحى، وبينما كنتُ أمارس هوايتي الوطنية في التأمل بالحائط، اتصلت بي مؤسسة خيرية. في البداية ظننت أنهم أخطأوا الرقم أو يبحثون عن متبرع، لكن الرجل قال بصوت فيه رحمة لم أسمعها منذ زمن:
“تعال استلم لحمة العيد.”
هنا دخلتُ في صراع فقهي وأخلاقي مع النفس. فأنا رجل يرفض السؤال، لكن الضرورة تبيح المحظورات، والبطون الجائعة لديها قدرة عجيبة على إصدار الفتاوى. قلت في نفسي: حتى يوسف عليه السلام خزن القمح لسنوات القحط، وأنا لن أخزن سوى عشرة كيلو لحم عجل، فما المشكلة؟
ذهبتُ إلى المؤسسة وأنا أمشي بخطوات رجل يريد أن يبدو متماسكاً، بينما داخلي يرقص رقصة يمنية كاملة مع البرع والزوامل. استلمت الكيس الأبيض بعناية أم تحمل طفلها الأول، وشعرت للحظة أنني من الطبقة المخملية التي تشتري اللحم بالكيلو لا بالصورة والذكريات.
وفي طريق العودة حدث ما لم يكن في الحسبان.
خرجت الكلاب فجأة من الأزقة كما تخرج المعارضة عند ضعف الحكومة. خمسة أو ستة كلاب، لكن أحدها كان واضحاً أنه قائد العمليات الخاصة. كلب محترف، يحمل ملامح ضابط مخابرات متقاعد، ويبدو أنه تلقى تدريبات متقدمة في القنص والهجوم المباغت.
في لحظة غفلة، انقض عليّ مباشرة. لم يهتم بي شخصياً، بل كان يعرف الهدف الاستراتيجي بدقة: كيس اللحم.
عضّ الكيس بخفة لص محترف، فتناثرت اللحمة في الشارع كما تتناثر الوعود الانتخابية بعد انتهاء التصويت. وهنا دخلت بقية الكلاب على الخط، وكل واحد أخذ حصته دون لجان توزيع أو بطاقات تموينية أو فساد إداري.
أما أنا فوقفت في منتصف الشارع مذهولاً، أنظر إلى كيلوغرامات العيد وهي تُلتهم أمام عيني بسرعة تفوق سرعة انهيار العملة المحلية.
المؤلم في الأمر أن الكلب الذكي لم يلتفت إليّ بعد العملية، بل نظر نحوي بنظرة فيها شيء من الشفقة، كأنه يقول:
“يا رجل… حتى نحن فهمنا أن من يحمل لحمة هذه الأيام لا بد أنه ضعيف ومحتاج.”
عدتُ إلى البيت بكيس فارغ وهيبة مكسورة. سألتني الأسرة:
“أين اللحمة؟”
فقلت بكل وقار:
“تمت مصادرتها من جهات غير حكومية.”
ولأول مرة في حياتي شعرت أنني أعيش المعنى الحقيقي لعبارة “أكلونا الكلاب”، لكن بصورة حرفية جداً هذه المرة.
ومع ذلك، أحمد الله أن الكلاب كانت أرحم من بعض البشر؛ فهي على الأقل أخذت اللحم وانصرفت، ولم تطلب مني بعدها ضرائب أو جبايات أو رسوم تحسين منظر الشارع الذي أكلت فيه العيد.