بعد 15 عاماً.. كيف غيّر تفجير دار الرئاسة مسار الدولة اليمنية؟

بعد 15 عاماً.. كيف غيّر تفجير دار الرئاسة مسار الدولة اليمنية؟
مشاركة الخبر:

تمر خمسة عشر عاماً على حادثة تفجير جامع دار الرئاسة، لكن الزمن في اليمن لا يُقاس بالسنوات وحدها. فهناك أحداث تتحول إلى تواريخ قائمة بذاتها، لا لأنها وقعت في يوم محدد، بل لأنها تفتح أبواباً يصعب إغلاقها بعد ذلك. وما جرى في جامع دار الرئاسة كان واحداً من تلك الأحداث التي خرجت من إطارها الأمني المباشر لتصبح علامة فارقة في مسار مستقبل اليمن.

في ذلك اليوم، لم يكن المسجد مجرد مكان للصلاة، ولم يكن المستهدف أفراداً بعينهم فقط، بل كان المشهد أكبر من ذلك بكثير. كانت البلاد تعيش ذروة استقطاب سياسي حاد، وكانت المؤسسات تواجه اختباراً غير مسبوق، فيما كانت الشوارع ممتلئة بالشعارات والأحلام والمخاوف في آن واحد. ثم جاء الانفجار ليضيف إلى المشهد سؤالاً أكثر خطورة: ماذا يحدث عندما يصبح العنف بديلاً عن السياسة؟

منذ تلك اللحظة، بدأت اليمن تدخل مرحلة مختلفة. لم يعد الخلاف السياسي مجرد تنافس بين مشاريع ورؤى متباينة، بل أخذ يتجه تدريجياً نحو منطق القوة والصدام. ومع كل خطوة إلى الأمام، كانت الدولة تخسر جزءاً من قدرتها على الإمساك بالأرض، بينما كانت التنظيمات الإرهابية والجماعات المسلحة تكتسب مزيداً من المساحة والنفوذ.

قد يختلف اليمنيون حول قراءة تلك المرحلة، وحول المسؤوليات التي قادت البلاد إلى ما وصلت إليه، لكن من الصعب تجاهل أن تفجير جامع دار الرئاسة كان أحد أكثر الأحداث تأثيراً في مسار الأزمة. فقد مثّل انتقالاً رمزياً من الصراع السياسي إلى الصراع المفتوح، ومن منطق الدولة إلى منطق الفوضى التي سرعان ما تمددت في كل الاتجاهات.

ولعل المفارقة الأكثر قسوة أن كثيراً من الذين احتفلوا بانهيار خصومهم السياسيين اكتشفوا لاحقاً أن انهيار الدولة لا يستثني أحداً. فالفوضى لا تختار ضحاياها وفق الانتماءات، بل تبتلع الجميع بالتدريج. والشباب الذين خرجوا إلى الساحات بأحلام كبيرة وجد كثير منهم أنفسهم بعد سنوات أمام واقع مختلف تماماً؛ بعضهم في المنافي، وبعضهم في جبهات القتال، وآخرون في طوابير البطالة والفقر، بينما خسر اليمن، في المجمل، جزءاً كبيراً من استقراره وفرصه ومستقبله.

عبدالكريم أحمد خالد، 42 عاماً، موظف حكومي، يقول لـ"المنتصف نت": "أرى أن التفجير كان نقطة تحول خطيرة في مسار الأزمة اليمنية. وسواء اختلف الناس أو اتفقوا حول المرحلة السياسية آنذاك، فإن استهداف مسجد أثناء الصلاة كان حدثاً صادماً ترك جرحاً عميقاً في جسد الدولة اليمنية".

سمير محمد علي، 30 عاماً، يقول: "أعتقد أن اليمن خسر كثيراً عندما تحولت الخلافات السياسية إلى صراعات مفتوحة. كان من الممكن معالجة الأزمات بالحوار بدلاً من الانزلاق إلى العنف".
وأضاف سمير: "بعد سنوات طويلة، ما يزال اليمنيون يدفعون ثمن الانقسامات التي تفاقمت في تلك المرحلة. المواطن العادي كان ولا يزال أكبر المتضررين".
وأكد أن الحدث، بالنسبة لجيل الشباب، يمثل درساً في خطورة اللجوء إلى القوة لحسم الخلافات السياسية، فالدول لا تُبنى بالعنف بل بالمؤسسات والقانون.

عبدالله عبده علي، 47 عاماً، أكاديمي، يقول: "أهمية هذه الذكرى لا تكمن فقط في استذكار ما حدث، بل في مراجعة التجربة السياسية اليمنية واستخلاص العبر لتجنب تكرار الأخطاء ذاتها".
وأضاف عبدالله: "أرى أن الحادثة كانت بداية مرحلة جديدة في تاريخ اليمن، حيث دخلت البلاد في دوامة من الصراع لم تتوقف حتى اليوم".

وهكذا يبقى جامع دار الرئاسة، في الذاكرة السياسية اليمنية، أكثر من مجرد موقع لحادثة مأساوية؛ إنه رمز للحظة تاريخية انكسر فيها التوازن، وبدأت معها رحلة طويلة نحو المجهول.