البحر الأحمر في عصر ما بعد الاتفاق .. معادلة "تكلفة التصعيد" بين إيران والولايات المتحدة .. (تحليل جيوسياسي أولي لمسارات الصراع 2026–2028)
ليس سرًا أن أي إدارة أمريكية تتبنى نهج "الضغط الأقصى" – وخصوصًا إدارة دونالد ترامب – تواجه أزمة ثقة هيكلية مع إيران، إذ تحولت تجربة الانسحاب من خطة العمل الشاملة المشتركة (JCPOA) عام 2018 إلى ذاكرة سياسية راسخة في طهران مفادها أن أي اتفاق مع هذا الفريق السياسي ليس سوى هدنة مؤقتة. وينطبق هذا الافتراض حتى لو تم توقيع اتفاق نووي جديد، لأن الثقة لا ترتبط بالنصوص بقدر ارتباطها بالضمانات.
هذه الخلفية تفسر سلوك إيران وأذرعها الإقليمية، خاصة في اليمن والبحر الأحمر، حيث تتحول المعادلة من سؤال: "ماذا نربح من التفاوض؟" إلى سؤال: "كيف نحمي أنفسنا في غياب أي ضمانات أمريكية؟". ويحاول هذا المقال تقديم قراءة أولية للسياق الجيوسياسي للبحر الأحمر خلال الفترة (2026–2028) عبر ثلاثة محاور رئيسية: منطق الردع عبر الوكلاء، وتطور الحصار البحري غير المعلن، ومعادلة تكلفة التصعيد.
أولًا: السياق الأوسع – من الاتفاق إلى "حرب الظلال الموسعة"
1.1 إيران: استراتيجية "المظلة المتعددة"
بعد تراجع الثقة بأي تعهدات أمريكية مستقبلية، تبنت إيران استراتيجية تقوم على تنويع أدوات الردع عبر برنامج صاروخي متطور، وطائرات مسيرة متقدمة، وشبكة واسعة من الوكلاء في عدد من الدول العربية، إضافة إلى نفوذ بحري غير مباشر في البحر الأحمر عبر الحوثيين. كما تعتمد على مبدأ فصل الساحات، فهي لا تسعى إلى حرب شاملة مع واشنطن، لكنها تعمل على رفع كلفة أي ضغط أمريكي من خلال فتح مسارات توتر متعددة في البحر الأحمر والخليج العربي ولبنان والعراق، بهدف إرباك صانع القرار الأمريكي بإدارة أزمات متزامنة.
أما دبلوماسيًا، فإيران تبدي استعدادًا للتفاوض، لكنها لا تبني استراتيجيتها على نجاحه، بل تنظر إليه كأداة لإدارة الوقت أكثر من كونه حلًا جذريًا للصراع.
1.2 الولايات المتحدة: من "الضغط الأقصى" إلى "الحصار غير المعلن"
تدرك إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في ولايتها الثانية أن سياسة الضغط الأقصى وحدها لم تنجح سابقًا في تغيير السلوك الإيراني بصورة حاسمة، لذلك تتجه نحو تعزيز الوجود العسكري في الخليج العربي ومضيق هرمز والبحر الأحمر بصورة غير مسبوقة، عبر توسيع الانتشار البحري الأمريكي والدولي، وإنشاء منظومات مراقبة وتنسيق مشتركة مع إسرائيل وحلف شمال الأطلسي.
كما تركز الاستراتيجية الأمريكية على استهداف شبكات الإمداد بدلًا من استهداف الدولة مباشرة، عبر ملاحقة مسارات التهريب المتجهة إلى الحوثيين من خلال الصومال وجيبوتي وسلطنة عُمان، إلى جانب فرض عقوبات "ذكية" تستهدف الوسطاء والشركات الوهمية الممولة للوكلاء، مع إبقاء قنوات المساعدات الإنسانية مفتوحة لتجنب تفاقم الأزمة الإنسانية في اليمن.
1.3 الحوثيون: من أداة محلية إلى فاعل إقليمي
بعد سنوات من الدعم الإيراني، طور الحوثيون قدرات عسكرية وتقنية مكّنتهم من تقديم أنفسهم كمنتج محلي لبعض أنظمة الطائرات المسيرة والصواريخ، رغم استمرار الجدل حول مدى استقلالية هذه القدرات تقنيًا. كما اكتسبوا خبرة عملياتية في إدارة هجمات بحرية وجوية خلال مرحلة التوترات الإقليمية بين عامي 2023 و2025، شملت استهداف سفن تجارية وناقلات نفط في البحر الأحمر وخليج عدن.
وفي الوقت نفسه، يسعى الحوثيون إلى إظهار قدر من الاستقلالية السياسية والعسكرية عن إيران، من خلال تقديم مشروعهم باعتباره مرتبطًا أيضًا بحسابات محلية وإقليمية خاصة، وفي مقدمتها السعي إلى فرض نفوذ ناري على البحر الأحمر ومضيق باب المندب عبر الصواريخ والطائرات المسيرة والزوارق المفخخة. وهذا الاستقلال النسبي يجعل من البحر الأحمر ساحة يصعب على أي طرف فرض سيطرة كاملة عليها.
1.4 الفاعلون الإقليميون المحوريون
تسعى السعودية إلى الموازنة بين دعم إجراءات الحد من التهديدات البحرية وبين تجنب الانخراط في مواجهة إقليمية واسعة قد تعيد استهداف أراضيها، ولذلك سيكون موقفها عاملًا حاسمًا في نجاح أو فشل أي ترتيبات أمنية بحرية تقودها واشنطن.
أما مصر، فترتبط مصالحها مباشرة باستقرار الملاحة في باب المندب وقناة السويس، إذ إن أي اضطراب طويل الأمد ينعكس بصورة مباشرة على إيرادات القناة، ما يدفع القاهرة إلى تعزيز التعاون البحري والأمني مع الشركاء الدوليين.
وتحافظ الإمارات على مصالح استراتيجية في عدد من الموانئ والمناطق الساحلية جنوب اليمن، وقد تسعى إلى استثمار أي تغيرات في البيئة البحرية لتعزيز نفوذها الاقتصادي والأمني.
في المقابل، تمتلك الصين قاعدة عسكرية في جيبوتي ومصالح تجارية واسعة تمر عبر باب المندب، الأمر الذي يجعلها معنية بالحفاظ على حرية الملاحة، وقد يدفعها ذلك إلى توسيع حضورها البحري أو ممارسة ضغوط دبلوماسية إذا رأت أن مصالحها التجارية مهددة.
ثانيًا: البحر الأحمر كساحة معركة – الممرات ونقاط الاشتباك
2.1 الممرات الحيوية
يمثل محور باب المندب – قناة السويس أحد أهم شرايين التجارة البحرية العالمية، إذ تمر عبره نسبة كبيرة من حركة التجارة الدولية، كما يعد الساحة الأكثر حساسية للتهديدات المرتبطة بالصواريخ والطائرات المسيرة والزوارق المفخخة.
أما ممر خليج عدن – السواحل الصومالية، فيمثل طريقًا حيويًا لحركة التجارة والإمدادات نحو القرن الأفريقي، ويظل عرضة لمخاطر التهريب والنشاطات غير النظامية.
وفي المقابل، يحظى مسار ناقلات النفط المتجهة من الخليج إلى أوروبا عبر البحر الأحمر بمستويات حماية أعلى، رغم بقائه ضمن نطاق التهديدات المحتملة للطائرات المسيرة بعيدة المدى.
2.2 نقاط الاشتباك المحتملة
يبقى مضيق باب المندب نقطة الاشتباك الأكثر حساسية، حيث يتمثل السيناريو المرجح في هجمات متقطعة تستهدف سفنًا تجارية أو أهدافًا مرتبطة بالغرب، يعقبها رد أمريكي محدود على مواقع إطلاق أو بنى عسكرية داخل اليمن، بما يؤدي إلى تصعيد مضبوط دون الانزلاق إلى حرب شاملة.
أما السواحل الصومالية، فقد تتحول إلى ساحة عمليات بحرية مرتبطة بملاحقة شبكات التهريب، بما في ذلك اعتراض سفن مشتبه بارتباطها بعمليات نقل الأسلحة أو التقنيات العسكرية.
ويظل ميناء الحديدة نقطة الضغط الأكثر حساسية، لأن أي محاولة لفرض قيود بحرية واسعة عليه قد تثير تداعيات إنسانية كبيرة وتؤدي إلى ضغوط دولية واسعة النطاق.
ثالثًا: معادلة "تكلفة التصعيد" – من يربح؟
3.1 قراءة التكاليف لكل طرف
بالنسبة للولايات المتحدة، تبقى تكلفة التصعيد المحدود قابلة للاحتواء، لكنها ترتفع بشكل كبير إذا تحولت المواجهة إلى صراع مفتوح يهدد الملاحة الدولية أو يؤدي إلى خسائر عسكرية مباشرة.
أما إيران، فتستفيد نسبيًا من إدارة التوتر عبر الوكلاء، لكنها تواجه مخاطر أكبر إذا انتقل الصراع إلى مواجهة مباشرة أو توسعت دائرة الاستهداف لتشمل أراضيها ومصالحها الحيوية.
وبالنسبة للحوثيين، فإن التصعيد المحدود يمنحهم مساحة لتعزيز حضورهم السياسي والإعلامي، بينما يحمل التصعيد الواسع مخاطر استهداف بنيتهم العسكرية والاقتصادية.
3.2 من يملك "الورقة الرابحة"؟
تمتلك الولايات المتحدة أدوات متعددة لزيادة الضغوط على إيران والحوثيين، تشمل الرقابة البحرية، والعقوبات المالية، واستهداف شبكات التمويل والإمداد.
في المقابل، تملك إيران القدرة على رفع كلفة المواجهة على خصومها من خلال توسيع ساحات التوتر وتعطيل حركة الملاحة وتهديد إمدادات الطاقة.
أما الصين، فتمتلك أوراقًا دبلوماسية واقتصادية مؤثرة تجعلها طرفًا قادرًا على تعديل موازين القوى في أي مواجهة طويلة الأمد.
والنتيجة الأساسية هي أن أياً من الأطراف لا يمتلك القدرة على حسم الصراع بصورة كاملة، ما يجعل البحر الأحمر مرشحًا للاستمرار كساحة استنزاف متبادل، يكون فيها العامل الحاسم هو قدرة كل طرف على تحمل الكلفة السياسية والاقتصادية لفترة أطول.
رابعًا: السيناريو الأكثر ترجيحًا (2026–2028)
4.1 نموذج العمل المتوقع
السيناريو الأكثر ترجيحًا يتمثل في استمرار نمط "الهجمات الدورية المضبوطة"، حيث تستمر العمليات المحدودة والردود المقابلة ضمن سقف يمنع الانزلاق إلى حرب شاملة.
كما يُتوقع استمرار التوتر البحري المزمن، مع تكثيف الدوريات الدولية والمحافظة على قنوات اتصال غير مباشرة عبر وسطاء إقليميين، وفي مقدمتهم سلطنة عُمان، لضبط قواعد الاشتباك ومنع التصعيد غير المحسوب.
4.2 استثناء واحد قد يغير القواعد
يتمثل الخطر الأكبر في احتمال تعرض سفينة حربية أمريكية لهجوم مباشر أو غير مقصود، وهو ما قد يدفع واشنطن إلى رد نوعي يتجاوز نمط الضربات المحدودة، ويؤدي إلى إعادة رسم قواعد الاشتباك في المنطقة.
ورغم أن احتمال هذا السيناريو يظل منخفضًا، فإن بيئة التوتر العالية تجعل خطر سوء التقدير قائمًا دائمًا.
4.3 سيناريو بديل: فشل الحصار الأمريكي
إذا تمكنت إيران من الحفاظ على شبكات الإمداد رغم الضغوط، ونجحت الصين في حشد موقف دولي معارض لبعض إجراءات الرقابة البحرية، فقد تضطر واشنطن إلى الانتقال من سياسة "فرض الإرادة" إلى سياسة "إدارة الأضرار"، وهو ما يمنح طهران هامشًا أوسع لتعزيز نموذج الردع عبر الوكلاء.
الخلاصة النهائية
ما يجري في البحر الأحمر لا يقتصر على كونه صراعًا على خطوط الملاحة، بل يعكس أزمة ثقة عميقة بين واشنطن وطهران. فكل عملية اعتراض أو هجوم أو تشديد للرقابة البحرية يؤكد أن الطرفين ما زالا ينظران إلى بعضهما من خلال منطق الردع لا منطق الشراكة.
وفي هذا الفراغ الدبلوماسي، تصبح العمليات العسكرية المحدودة لغة التواصل الفعلية بين الخصوم، بينما تتحول معادلة "تكلفة التصعيد" إلى القاعدة الحاكمة لسلوك الجميع.
لكن العامل الأهم يتمثل في أن الصين والسعودية ومصر لم تعد أطرافًا مراقبة للأحداث، بل أصبحت فاعلين مؤثرين في تشكيل موازين القوى. فالصين تمتلك أدوات ضغط سياسية واقتصادية مهمة، والسعودية تؤثر في أي ترتيبات أمنية تخص البحر الأحمر، بينما ترتبط مصر مباشرة باستقرار الممرات البحرية الحيوية.
ولهذا، فإن أي محاولة لفرض حل أحادي الجانب تبدو غير واقعية، كما أن أي اتفاق نووي مستقبلي – حتى لو نجح – لن يكون كافيًا وحده لإزالة آثار سنوات طويلة من انعدام الثقة، التي حولت البحر الأحمر إلى ساحة دائمة لاختبار معادلات الردع قبل الدبلوماسية.
*أكاديمي ومحلل سياسي يمني – جامعة تعز