فوضى الموارد وسياسة "العقاب الجماعي": كيف حوّلت الحكومة الشرعية أزمات الخدمات إلى ورقة ابتزاز سياسي؟

فوضى الموارد وسياسة "العقاب الجماعي": كيف حوّلت الحكومة الشرعية أزمات الخدمات إلى ورقة ابتزاز سياسي؟
استمع للمقال النص المسموع تلقائي ناتج عن نظام آلي
مشاركة الخبر:

لم يعد الحديث عن انقطاع الكهرباء، وشح المياه، وتأخر صرف المرتبات مجرد شكوى خدمية عابرة، بل تحول في نظر كثير من المواطنين إلى مؤشر واضح على أزمة إدارة وحوكمة تعصف بالمحافظات المحررة. فمع تكرار الأزمات واتساع آثارها، تتزايد الانتقادات الموجهة للحكومة الشرعية بسبب عجزها عن تقديم حلول مستدامة، وسط اتهامات بأن الملفات الخدمية أصبحت رهينة للتجاذبات السياسية والصراع على النفوذ أكثر من ارتباطها باحتياجات المواطنين اليومية.

وفي الوقت الذي يواجه فيه السكان موجات حر قاسية وانقطاعات طويلة للكهرباء وتراجعاً في خدمات المياه والبنية التحتية، تتصاعد التساؤلات بشأن أسباب استمرار هذا الواقع رغم مرور سنوات على إدارة الحكومة لهذه المناطق. ويرى منتقدون أن المشكلة لم تعد تقتصر على نقص الإمكانات، بل تمتد إلى ضعف الإدارة وغياب التخطيط المؤسسي، ما جعل الأزمات تتكرر بصورة تكاد تكون دائمة دون حلول جذرية.

وتبرز عدن بوصفها النموذج الأكثر وضوحاً لهذه الأزمة، إذ تعاني المدينة من تدهور مستمر في قطاع الكهرباء وضغوط كبيرة على شبكات المياه والصرف الصحي، بينما تنعكس أي اضطرابات خدمية فيها بصورة مباشرة على المحافظات المجاورة مثل لحج وأبين والضالع. ويعتبر كثير من المراقبين أن استمرار هذا الوضع يضع علامات استفهام كبيرة حول أولويات الحكومة وقدرتها على إدارة العاصمة المؤقتة بكفاءة.

وفي حضرموت وشبوة، تتجسد مفارقة يصفها كثيرون بأنها الأكثر إثارة للجدل، حيث تمتلك المحافظتان موارد نفطية واقتصادية مهمة، ومع ذلك لا يلمس السكان تحسناً يتناسب مع حجم تلك الموارد. ويتكرر السؤال حول كيفية إدارة الإيرادات وآليات توزيعها ومستوى الشفافية فيها، في ظل استمرار تراجع الخدمات الأساسية واستمرار المطالب بمنح السلطات المحلية صلاحيات وإمكانات أكبر لتلبية احتياجات السكان.

أما في المهرة وسقطرى، فرغم اختلاف طبيعة التحديات، فإن الانتقادات تتجه أيضاً إلى غياب خطط حكومية طويلة المدى لمعالجة مشكلات البنية التحتية والخدمات الأساسية، مع استمرار الاعتماد على حلول مؤقتة لا تقدم معالجة حقيقية للمشكلات المتراكمة.

ولا تقتصر تداعيات هذا الواقع على الجانب الخدمي فقط، بل تمتد إلى الحياة الاقتصادية والمعيشية، حيث يتحمل المواطن أعباء إضافية نتيجة الاعتماد على المولدات الخاصة وارتفاع تكاليف التشغيل، إلى جانب الضغوط الناتجة عن تراجع القدرة الشرائية وتقلبات أسعار الصرف وتأخر صرف المرتبات، وهي عوامل تلقي بظلالها على مختلف القطاعات الاقتصادية والاجتماعية.

ويرى منتقدون أن استمرار هذه الأوضاع يعكس أزمة أعمق في منظومة الإدارة والحوكمة، وأن الإصلاح الحقيقي لا يمكن أن يقتصر على المعالجات المؤقتة أو الوعود السياسية، بل يتطلب تعزيز الشفافية والمساءلة، وتحسين إدارة الموارد العامة، وتمكين السلطات المحلية من أداء دورها بصورة أكثر فاعلية، بما يضمن تقديم الخدمات الأساسية للمواطنين بعيداً عن الصراعات السياسية وحسابات النفوذ.