مقابر عائلية بأيدي الأقارب .. النزاعات الأسرية في شبوة قنابل موقوتة تهدد السلم الاجتماعي
في محافظة شبوة، حيث تلتقي أصالة القبيلة بوعورة الجغرافيا، باتت الخلافات العائلية والأسرية تشكل ثقباً أسود يلتهم استقرار المجتمع. فما يبدأ غالباً بخلاف بسيط على حدود أرض، أو إرث عائلي، أو حتى سوء تفاهم عابر، سرعان ما يتحول، بفعل غياب الحلول الجذرية وانتشار السلاح، إلى نزاع مسلح يمزق النسيج الاجتماعي للأسرة الواحدة، ويتحول من قضية داخلية إلى مأساة عامة.
وللوقوف على أبعاد هذه الظاهرة، التقينا بعدد من أبناء المحافظة الذين نقلوا لنا قصصاً واقعية ومؤلمة لحوادث وقعت بالفعل، كاشفين عن المآلات التي انتهت إليها تلك النزاعات.
شهادات حية من واقع الميدان
النزاع على "الحدود الأثرية".. عندما يقتل الأخ أخاه
المتحدث: (م. ع. د) – أحد وجهاء مديرية حبان، يقول:
"بدأت القصة بخلاف بين شقيقين على جدار فاصل بين أرضيهما الزراعية لا يتجاوز عرضه نصف متر. تطور النقاش اللفظي سريعاً، وفي لحظة غضب طائشة، استل الأخ الأصغر سلاحه وأطلق النار على شقيقه الأكبر ليرديه قتيلاً أمام أطفاله.
إلى أين صارت القضية؟
اليوم، الأخ الأكبر في قبره تحت التراب، والأخ الأصغر يقبع خلف قضبان السجن بانتظار القصاص الشرعي. أما الأسرة فقد تشتتت تماماً؛ إذ أخذت زوجة القتيل أطفالها وغادرت القرية إلى مدينة أخرى مجبرة، ونشأت قطيعة أبدية بين أبناء العمومة، وتحولت الأرض التي اختلفوا عليها إلى أرض بور لا يستفاد منها."
تركة الأجداد.. إرث معلق وسلاح جاهز
المتحدث: (صالح. س) – ناشط مدني، يقول:"توفي أحد التجار تاركاً عقارات ومساحات واسعة من الأراضي دون وصية مكتوبة أو تقسيم شرعي موثق. رفض الإخوة الكبار إعطاء شقيقاتهم وإخوانهم الصغار نصيبهم بحجة الحفاظ على تماسك الثروة. وتحول الخلاف إلى مواجهات مسلحة متقطعة بين أبناء العمومة داخل الحي السكني، ما تسبب في إقلاق السكينة العامة وإصابة اثنين من المارة.
إلى أين صارت القضية؟
القضية الآن منظورة أمام المحكمة منذ أربع سنوات دون فصل نهائي بسبب تعقيد الملفات وتدخل أطراف قبلية لحماية بعض المتورطين. العقارات مغلقة بقرار قضائي، ومصالح الورثة معطلة، والجميع يعيش حالة خوف وترقب مستمرين من تجدد الاشتباكات في أي لحظة."
ضحايا السلاح المنفلت.. رصاصة طائشة تنهي حلم شاب
المتحدث: (أحمد. ف) – تربوي من مديرية الصعيد، قال:"اندلع خلاف أسري حاد بين أبناء عمومة حول أحقية حفر بئر ارتوازية في أرض مشتركة. وتطور الأمر إلى تبادل كثيف لإطلاق النار بين الطرفين. ولسوء الحظ، كان هناك شاب يبلغ من العمر عشرين عاماً، وهو ابن أخت أحد المتنازعين، يحاول تهدئة الموقف والوساطة بينهم، فأصابته رصاصة طائشة في الرأس أدت إلى وفاته على الفور.
إلى أين صارت القضية؟
أحدثت هذه الحادثة صدمة نفسية هائلة للعائلة. وتوقفت المواجهات بفعل هدنة قبلية فرضها المشايخ، لكن الجرح لم يندمل. ولم يُسلَّم القاتل الفعلي إلى الأجهزة الأمنية حتى الآن بحجة أن الرصاصة كانت غير متعمدة، فيما تعيش العائلة حالة انقسام حاد ومرارة مستمرة، بعدما تحول المصلح إلى ضحية."
جدار فاصل يهدم بيتاً.. غياب القانون واستقواء بالقبيلة
المتحدث: (الشيخ ناصر. ح) – مصلح قبلي وقاضٍ عرفي، أكد قائلاً:"في إحدى قرى مديرية بيحان، اختلف أبناء عمومة على فتح نافذة في منزل مستحدث تطل على حوش المنزل القديم للعائلة، واعتبرها الطرف الآخر انتهاكاً للخصوصية. وبدلاً من الاحتكام إلى العرف أو القانون، قام أحد الأطراف ببناء جدار لإغلاق النافذة بالقوة، ما دفع الطرف الآخر إلى الاستقواء بمسلحين من حلفائه القبليين، وكادت القرية أن تنزلق إلى حرب طاحنة.
إلى أين صارت القضية؟
تمكنا، بفضل الله وتدخل لجنة من الوجهاء، من فرض "مَحدَع" (تحكيم قبلي مطلق) لوقف إطلاق النار. وقمنا بتهدئة النفوس وألزمنا الطرف المستحدث بإغلاق النافذة وتوفير بديل هندسي مناسب، فيما تكفل الطرف الآخر بجزء من التكاليف. واستقرت القضية عرفياً وتم نزع فتيل الأزمة، لكن العلاقات الأسرية تعرضت لشرخ عميق يحتاج إلى سنوات طويلة ليلتئم."
خيارنا الوحيد بين "نزع السلاح" أو "مقابر بلا شواهد"
محمد. ع – إعلامي وناشط سياسي، قال:"لم يعد السلاح مجرد أداة للدفاع عن الحق أو رمزاً للفروسية، بل أصبح قنبلة موقوتة في قلب كل بيت، وفتيلاً يشعل حرائق لا تفرق بين خصم وصديق. إننا اليوم أمام مفترق طرق وجودي لا يقبل القسمة على اثنين: إما أن ننتصر لحرمة الدم عبر نزع السلاح وتغليب صوت القانون والعقل، أو أن نستمر في الانزلاق نحو الهاوية، حيث لن تكتفي النزاعات بابتلاع أراضينا الزراعية وممتلكاتنا، بل ستحول محافظتنا برمتها، سهلها وجبلها، إلى سلسلة من المقابر التي لا تميز بين بريء ومذنب.
لقد تجاوزت الفاجعة حدود الخلاف الأسري لتصبح تهديداً بنيوياً يفتك بسلمنا الاجتماعي، وأصبح لزاماً علينا أن ندرك أن بقاء الوطن والمجتمع لا يكون إلا حين نُغمد البنادق ونفتح للقانون والمصالح أبواب النجاة، قبل أن يغدو القتل قدراً يومياً، وتتحول الأرض التي ورثناها عن أجدادنا إلى مقبرة كبرى لأحفاد لم يجدوا من إرثنا سوى البارود."
ثالوث الأزمة المغذي
من خلال اللقاءات والشهادات السابقة، يتضح أن النزاعات في شبوة تتغذى على ثلاثة عوامل رئيسية:
- الانتشار الكثيف للسلاح، الذي يحول الشجار اللفظي العابر إلى مجزرة عائلية في دقائق معدودة.
- بطء إجراءات التقاضي، ما يدفع بعض الأطراف إلى محاولة فرض أمر واقع بأيديهم مستغلين غياب الحسم القضائي السريع.
- تراجع سلطة الحكمة، حيث تطغى العصبية اللحظية لدى بعض الشباب على نصائح كبار السن والعقلاء.
نحو بيئة أسرية آمنة في شبوة
لا يمكن وقف هذا النزيف المستمر إلا بتحرك جاد ومسؤول يشارك فيه الجميع، وذلك من خلال:
- تفعيل القضاء المستعجل عبر إنشاء دوائر خاصة في محاكم شبوة للفصل السريع في قضايا الأراضي والإرث العائلي.
- تنظيم حمل السلاح وتفعيل دور الأجهزة الأمنية في الحد من مظاهر التسلح العشوائي داخل المدن والأسواق.
- دعم مجالس السلم الأهلي وتمكين لجان إصلاح ذات البين والشخصيات القبلية والدينية المعتبرة للتدخل المبكر قبل تفاقم النزاعات.
- تكثيف التوعية الإرشادية والإعلامية عبر خطب الجمعة ووسائل الإعلام المحلية لبيان مخاطر قطيعة الرحم وعواقب الاقتتال بين الأقارب.
الخاتمة
إن الخلافات العائلية في شبوة لم تعد شأناً داخلياً يُغلق عليه باب المنزل، بل أصبحت قضية رأي عام تهدد السلم الأهلي ومستقبل الأجيال القادمة.
إن إنقاذ المجتمع من هذا المستنقع يبدأ بالاعتراف بأن العصبية والتشبث بالسلاح ليسا دليلاً على القوة، بل هما أولى خطوات الهدم الذاتي. فالدم لا يغسله الدم، وحكمة الكبار والاحتكام إلى النظام والشرع يظلان السبيل الأنجع لنزع فتيل هذه القنابل الموقوتة قبل أن تنفجر في وجه الجميع.