لحج الخضراء .. ثروة معطلة على خطوط التماس بين سحر الفن ومرارة التهميش

لحج الخضراء .. ثروة معطلة على خطوط التماس بين سحر الفن ومرارة التهميش
مشاركة الخبر:

تستقبلك بنسمات الفل، وتودعك بطرقات متهالكة. هنا لحج الخضراء، المحافظة التي تختزل في جغرافيتها الشاسعة مفارقة يمنية صارخة؛ أرض تفيض بالخيرات والفن، وواقع يرزح تحت وطأة الإهمال وغياب التنمية.

في هذا التحقيق، نفتح ملف المحافظة المنسية التي تمثل الشريان البري الأهم لعدن وتعز، ونبحث مع مزارعيها ومثقفيها ومواطنيها عن الأسباب التي حوّلت "بوابة الجمال" إلى عاصمة اقتصادية معطلة.

بساتين الحسيني.. حين يبكي الشجر وتختنق رائحة الفل
بدأنا جولتنا من بستان الحسيني الشهير، المعلم الزراعي الذي طالما تغنى به الشعراء. لكن الصورة على الأرض تختلف عن الأغاني؛ فالجفاف وارتفاع تكاليف الإنتاج يهددان هذا الإرث.
يقول أكرم سرور (58 عاماً)، وهو مزارع التقيناه وسط أشجار المانجو: "أرض لحج معطاءة، والمانجو والباباي والفل اللحجي لا مثيل لها في الجزيرة العربية. لكننا نعيش معاناة حقيقية؛ فأسعار الديزل المستخدم لضخ المياه أرهقتنا، وغياب الدعم الحكومي للمزارعين دفع كثيرين إلى التفكير في ترك الأرض. أما الفل اللحجي، الذي يزين الأعراس في كل مكان، فقد بات قطافه عبئاً لا يغطي تكاليفه في مواسم كثيرة".
الزراعة في لحج ليست مجرد مهنة، بل هي هوية المحافظة التاريخية، وتحولها إلى قطاع متعثر يعني ضرب العصب الاقتصادي لآلاف الأسر التي تعتمد على ما تجود به الأرض.

شريان يربط البلاد.. وممرات برية تشكو الإهمال
تتميز لحج بموقع استراتيجي استثنائي؛ فهي حلقة الوصل الحيوية والشريان الرئيسي الذي يربط العاصمة المؤقتة عدن بمحافظة تعز والمناطق الشمالية. ويجعلها هذا الموقع قلب الحركة التجارية والتنقل في البلاد.
لكن العابر في طرقات لحج يدرك حجم المأساة؛ فالطرق الرئيسية التي تمر عبرها قوافل التجارة والشاحنات تعاني من تهالك كبير وغياب الصيانة الدورية، ما يتسبب في حوادث متكررة ويعيق حركة التجارة التي يفترض أن تكون لحج المستفيد الأول منها استثمارياً وضريبياً.

الساحل البكر.. ثروة سياحية نائمة في أحضان النسيان
المفاجأة التي قد لا يعرفها كثيرون عن لحج أنها ليست مجرد وديان وبساتين، بل تمتلك شريطاً ساحلياً بكراً ومبهراً يُعد من أجمل الشواطئ في المنطقة.
وأثناء وقوفنا على الساحل، التقينا بالمهندس ناصر عوض، وهو خبير تنموي محلي، تحدث بحسرة قائلاً:"يمثل هذا الشريط الساحلي ثروة سياحية واقتصادية هائلة تنتظر من يكتشفها ويفجر طاقاتها. ولو حظي بقليل من الرعاية والاهتمام، وجُذبت الاستثمارات لبناء منتجعات أو مرافئ صيد حديثة، لتحولت لحج إلى قطب اقتصادي ينافس كبرى الحواضر العربية. لكن الواقع ما زال بعيداً عن استثمار هذه الإمكانات بالشكل المطلوب".

منجم الفن واللحن.. ثقافة تقاوم الاندثار
لا يمكن الحديث عن لحج دون ملامسة وتر الفن. فهي الأرض التي أنجبت كبار القامات الفنية والأدبية، وصاغت للأذن العربية أعذب الألحان. ومن مناجم إبداعها تخرج الفنانون والملحنون والشعراء الذين غزلوا من روح لحج هويتها الثقافية الفريدة.
وفي منتدى ثقافي متواضع بمدينة الحوطة، يقول الأستاذ علوي، الباحث في التراث اللحجي:"لحج هي قلب اليمن النغمي، لكن المؤسسات الثقافية هنا تعاني من ضعف كبير. فالمنتديات تغلق أبوابها تباعاً، والإرث الموسيقي اللحجي يواجه خطر النسيان في ظل غياب التوثيق الكافي والاهتمام بالجيل الجديد من المبدعين. نحن لا نطالب بالمستحيل، بل بإنصاف هذا التاريخ".

متى يُنفض الغبار عن وجه المحافظة الخضراء؟
تقف لحج اليوم في منطقة رمادية بين إمكانات هائلة وواقع معطل. فالاستثمار في المحافظة ليس مجرد تنمية لمنطقة جغرافية، بل إحياء لشريان رئيسي يغذي الوطن بأكمله. وتمتلك لحج جميع مقومات النهوض؛ من الزراعة الخصبة، والموقع الاستراتيجي، والساحل البكر، إلى طاقتها البشرية الحيوية.
وتضع لحج اليوم ملفاتها ومقوماتها أمام صناع القرار والجهات الاستثمارية، منتظرة إرادة حقيقية تنفض الغبار عن وجه المحافظة الخضراء، ليعود الفل ناضراً، وتستعيد لحج مكانتها المستحقة بوصفها بوابة نابضة بالجمال والاقتصاد.