محافظة البيضاء .. نموذج صارخ للمدن اليمنية التي تدفع ثمن غياب الدولة ومؤسساتها

محافظة البيضاء .. نموذج صارخ للمدن اليمنية التي تدفع ثمن غياب الدولة ومؤسساتها
مشاركة الخبر:

لا تزال ألسنة اللهب التي التهمت الأسواق والمحطات العشوائية في محافظة البيضاء شاهدة على حجم الإهمال الخدمي والفساد الإداري الذي تعيشه المحافظة تحت سيطرة مليشيا الحوثي.

وفي الوقت الذي يُفترض فيه أن تتحرك السلطات القائمة لإنقاذ ما يمكن إنقاذه وتأهيل الدفاع المدني، يواجه أبناء البيضاء واقعاً مريراً يجمع بين خطر الموت حرقاً بسبب غياب معايير السلامة، وبين صلف وتهكم قيادات المليشيا التي تواجه مطالب المواطنين بالاستعلاء واللامبالاة، بل وابتزاز المتضررين لفرض جبايات جديدة تحت مسميات شتى.

في هذا التحقيق، نفتح ملف الحرائق المتكررة في البيضاء، ونستمع إلى شهادات حية من أبناء المحافظة يكشفون بالأسماء والوقائع حجم المعاناة وسوء التعامل الذي يلقونه من مليشيا الحوثي.

توصيلات عشوائية ومليشيا لا تعرف سوى المال
قال عبد الرحمن البرماني (تاجر متضرر من حريق سوق البيضاء):"احترق محلي التجاري بالكامل بسبب ماس كهربائي ناتج عن التوصيلات العشوائية للمولدات التجارية التابعة لأحد المشرفين الحوثيين. وعندما ذهبنا إلى إدارة الأمن للمطالبة بالتحقيق ومحاسبة المتسبب وإلزام مالك المولد بالتعويض، كان رد المشرف الثقافي المتواجد هناك متهكماً بوضوح، حيث قال لنا علناً: 'احمدوا الله أنكم سلمتم بأنفسكم، أموالكم تذهب جهاداً، والرزق مكتوب!'. ولم يكتفوا ببرودهم، بل يرفضون حتى اللحظة فتح تحقيق شفاف لأن مالك شبكة الكهرباء العشوائية يدفع لهم إتاوات شهرية بانتظام."

البيضاء قنبلة موقوتة
وقال المهندس أحمد صالح (خبير سلامة مهنية وموظف سابق في الأشغال):"هناك المئات من مخازن الوقود ومحطات الغاز العشوائية المنتشرة وسط الأحياء السكنية والأسواق المكتظة. رفعنا عشرات التقارير الفنية والتحذيرات إلى السلطة المحلية التابعة لمليشيا الحوثي بضرورة نقل هذه المحطات لتفادي كوارث كحريق مديرية الزاهر المأساوي، لكن الرد جاءنا صادماً من القيادات المشرفة: 'هذه المحطات تخدم المجهود الشعبي ولا يمكن عرقلتها بواجبات ورقية'. المليشيا تشرعن هذه العشوائية لأنها تمثل مصدراً لتمويل قياداتها عبر فرض نسب من الأرباح والجبايات، متجاهلة تماماً أمن المواطن وسلامته."

"دعه يحترق.. لعله تطهير لأموال الخونة"
وقال الحاج حسين العامري (شاهد عيان وأحد الوجهاء المحليين):"عندما تشتعل الحرائق في المحافظة، لا نجد دفاعاً مدنياً. ففي الحريق الأخير اتصلنا بالدفاع المدني، وجاء الرد بعد ساعة كاملة بأن 'السيارة لا يوجد فيها ديزل'، ويجب علينا توفير قيمة الوقود لكي تتحرك. تحرك المواطنون بصهاريج المياه الخاصة على حسابهم الشخصي لإخماد الحريق. والكارثة الأكبر هي سوء تعامل عناصر المليشيا في النقاط؛ فبدلاً من تسهيل حركة صهاريج المياه، يقومون بتوقيفها واحتجازها بحجة 'التفتيش الأمني والاشتباه'. وفي أحد المواقف تهكم أحد العناصر على سائق الصهريج قائلاً: 'دعه يحترق، لعله تطهير لأموال الخونة'. هل تصدق أن هذا يحدث في البيضاء؟"

"اذهبوا وقاتلوا في الجبهات وسوف نبني لكم بيوتاً في الجنة"
وقالت أم صادق (مواطنة فقدت منزلها في حريق مجاور):
"التهم الحريق منزلي المبني من الطوب القديم بعد انفجار مقطورة غاز كانت مخزنة بطريقة غير قانونية في الحوش المجاور لنا. ذهب أولادي إلى المشرف الإداري للمديرية للمطالبة ببديل سكن مؤقت أو تعويض عاجل لإعالتنا، فما كان منه إلا أن سخر منهم وقال: 'بيوتكم خربت بذنوبكم، اذهبوا وقاتلوا في الجبهات وسوف نبني لكم بيوتاً في الجنة'. هذا التهكم والاستهزاء بأوجاع الناس يثبت أننا لا ننتمي في نظرهم إلى هذا الوطن إلا كوقود لحروبهم، ولا قيمة لحياتنا أو ممتلكاتنا لديهم."

أي عمل لا يناسبهم يعتبرونه خيانة عظمى
وأكد الناشط الحقوقي عبدالرحيم علي بالقول:
"توثيق الحرائق في البيضاء أصبح جريمة بنظر الحوثيين. في الآونة الأخيرة قمنا برصد الأضرار وتصوير مخلفات الحريق لإعداد تقرير إنساني للمنظمات، فتم اعتقال زميل لنا ومصادرة كاميرته بتهمة 'تأليب الرأي العام وتشويه صورة المسيرة القرآنية'.

المليشيا لا تكتفي بالإهمال، بل تمارس التعتيم الممنهج على أعداد الضحايا والخسائر، وتتعامل مع أي نقد لوضع الخدمات باعتباره 'خيانة عظمى'. إنهم يرون المحافظة مجرد ساحة جغرافية لجمع الأموال وحشد المقاتلين، أما البنية التحتية والسلامة العامة فهي خارج حساباتهم تماماً."

الجبايات المزدوجة وتحويل الكوارث إلى استثمار
لا تتوقف معاناة البيضاء عند حدود التهكم اللفظي أو ضعف الإمكانات، بل تمتد إلى استغلال المليشيا الحوثية لهذه الكوارث لتحقيق مكاسب مالية وسياسية عبر مسارين:
- صندوق "صيانة وإطفاء" وهمي:
تفرض المليشيا رسوماً إجبارية تحت مسمى "صندوق الدفاع المدني والأمن الصناعي" على جميع المحلات التجارية ومحطات الوقود والمصانع الصغيرة في المحافظة. والمفارقة أن هذه الأموال الضخمة تُورَّد إلى حسابات خاصة في صنعاء لدعم الأنشطة العسكرية، بينما يظل فرع الدفاع المدني في البيضاء بلا صيانة أو وقود.
- ابتزاز المنظمات الإغاثية:
عند حدوث كوارث حريق كبيرة وتدخل بعض المنظمات الدولية أو المحلية لتقديم مساعدات عاجلة وتوزيع خيام أو تعويضات مالية للمتضررين، تتدخل ما تسمى "الهيئة العليا لإدارة وتنسيق الشؤون الإنسانية" (سكمشا) التابعة للحوثيين لفرض قوائم أسماء موالية لها، مع استبعاد الضحايا الحقيقيين، أو اشتراط الحصول على نسبة تصل إلى 50% من المساعدات مقابل تمريرها.

الخاتمة:
تبقى محافظة البيضاء نموذجاً صارخاً للمدن اليمنية التي تدفع ثمن غياب الدولة ومؤسساتها، حيث تحولت أدوات السلامة العامة إلى أدوات للجباية، وصارت أرواح المواطنين وممتلكاتهم مجرد تفاصيل هامشية في أجندة سلطة الأمر الواقع.
إن استمرار هذا التغاضي عن العشوائيات، والتعامل الفوقي والمتهكم مع أنين الضحايا، يضع المحافظة أمام تهديد مستمر بكوارث قادمة، ما لم يكن هناك ضغط شعبي وحقوقي حقيقي لوقف هذا العبث.