صعدة المحترقة بثارات الأرض .. كيف استغلت مليشيا الحوثي نزاعات الأراضي لإغراق المجتمع في الثأر؟

صعدة المحترقة بثارات الأرض ..   كيف استغلت مليشيا الحوثي نزاعات الأراضي لإغراق المجتمع في الثأر؟
استمع للمقال النص المسموع تلقائي ناتج عن نظام آلي
مشاركة الخبر:

في صعدة، حيث تتقاطع الأعراف القبلية مع قسوة التضاريس، تحولت الأرض ـ التي كانت رمزاً للعطاء والارتباط ـ إلى مسلخ مفتوح. مأساة "خالد جبران" وولديه ليست سوى حلقة في سلسلة طويلة من الدماء التي تُسفك من أجل "أمتار من تراب"، تاركة خلفها أرامل وأيتاماً وضمائر محطمة.

صعدة في قبضة "الفوضى المنظمة"
لا يمكن قراءة هذه المآسي بعيداً عن السياق السياسي والأمني الذي تعيشه المحافظة تحت سيطرة مليشيا الحوثي. فقد أدى غياب سلطة الدولة القانونية، واستبدالها بنظام "المشرفين" والمحاكم التابعة لمليشيا الحوثي، إلى تفاقم النزاعات بدلاً من حلها.
لقد تسببت سياسات مليشيا الحوثي في تحويل القضاء إلى أداة لخدمة الأطراف الموالية لها، أو في أفضل الأحوال إلى طرفٍ متفرج على الصراعات، بما يتيح ابتزاز المتنازعين. هذا التلاعب بالقضايا لم يقتصر على تأخير الأحكام، بل تعداه إلى شرعنة بعض الاعتداءات أو الانحياز القائم على الولاء السياسي، مما جعل المواطن يفقد الثقة بأي مسار قانوني، ويلجأ إلى البندقية باعتبارها "القاضي الوحيد" الذي يضمن له حقه، ولو كان الثمن إزهاق الأرواح.
لقد خلقت مليشيا الحوثي واقعاً مشوهاً، حيث يُسمح بانتشار السلاح بلا ضابط، وتُغيب العدالة الناجزة، وتُترك القبائل لتأكل بعضها بعضاً في دوامات ثأر لا تنتهي، لتتحول صعدة من أرض للتعايش إلى ساحة مفتوحة للموت.

سلطة الدولة غائبة والعرف مشلول
يقول الشيخ (منصور علي - عاقل حارة):المشكلة ليست في الأرض، بل في انهيار قيم "الصلح". قديماً كان للشيخ كلمة تنهي النزاع قبل أن يبدأ. اليوم دخلت الأسلحة المتوسطة والثقيلة بيوتنا، وصار "المدفع" هو المرجع بدل القضاء. غياب هيبة الدولة في تطبيق سجلات الأراضي، وتداخل سلطة "مشرفي مليشيا الحوثي" في أحكام القضاء، جعل كل فرد يقرر تنفيذ حكمه بيده. لقد ضاع الحكماء في صعدة، ولم يعد هناك من يوقف المتهورين عند حدهم، فكلما حاولنا التدخل للإصلاح وجدنا سلطة المشرفين تقف حجر عثرة أو تنحاز لطرف دون آخر، مما يفرغ جهودنا من أي قيمة. نحن نعيش في غابة القوي فيها يغدر بالضعيف، والكل يتفرج.

غياب العقل وتحكيم السلاح
يقول أحمد الحربي من صعدة:  
فاجعة تهز القلوب، مأساة جديدة تضاف إلى مسلسل الدم الذي لا ينتهي. في صعدة، وبسبب بقعة أرض، قُتل أب وولديه! خالد جبران وولداه أسامة وجبران انتهت حياتهم في لحظة جنون. عائلة كاملة أُبيدت، وبيوت أُغلقت، والسبب أمتار من التراب.
القصة ليست قصة أرض فقط، بل غياب العقل وتحكيم السلاح بدل شرع الله والقانون. من أجل شبر أرض يستسهل الإنسان سفك دم أخيه، يظن أنه ينتصر لكرامته، ولا يدرك أنه يكتب هلاكه في الدنيا والآخرة.
مات الأب ومات الأبناء، وخسرت العائلات، وترملت النساء، وكل ذلك من أجل أرض سنتركها جميعاً ونرحل.
قال رسول الله ﷺ: "لزوال الدنيا أهون على الله من قتل رجل مسلم".
نصيحة لوجه الله:  
أولاً: قبل شراء أي أرض، تأكد من وثائقها وسجلاتها وخلوها من أي نزاع.  
ثانياً: عند وقوع النزاع، حكموا عقولكم، فالقضاء والتحكيم العرفي موجودان، والمال يعوض، أما الأرواح فلا تعوض.

ماذا أفعل بملك أرضي؟
تقول الأرملة (سارة محمد - زوجة أحد الضحايا):أرادوا الأرض فأخذوها، وأخذوا معها حياتي وأبنائي. كان هناك طريق للقضاء، لكنهم قالوا إن المحاكم الخاضعة لمليشيا الحوثي لا تحكم إلا لمن يملك "الواسطة" أو الولاء. قتلوا زوجي وابنيّ من أجل بضعة أمتار، واليوم نعيش في بيوت موحشة. هل تستحق حفنة من التراب أن نحرم أطفالاً من أبيهم؟ لم أعد أطلب شيئاً من الدنيا سوى انتهاء هذه الفتنة.

القانون تحت ضغط النفوذ
يقول المحامي (عادل ناصر - خبير نزاعات):معظم النزاعات تُعرض على المحاكم وتنتهي من حيث المبدأ عند الاطلاع على الوثائق، لكن المشكلة أن السلطة القائمة لا تلتزم بمعايير قانونية واضحة. هناك تخبط في إصدار الأحكام ونقضها تحت ضغط النفوذ. هذا الفراغ القانوني يدفع الناس إلى المواجهة المسلحة بدلاً من اللجوء للعدالة. كما أن تزوير الوثائق وغياب الحماية القانونية يدفع أصحاب الحقوق إلى اليأس، فيصبح السلاح هو الوسيلة الوحيدة لحماية الحق.

جيل يتربى على الأحقاد
يقول الناشط الاجتماعي (حسين جابر):نحن لا نقتل آباءنا فقط، بل نقتل مستقبلنا. حين يرى الطفل أن والده لا يجد عدالة، فإنه يتعلم أن السلاح هو لغة الحياة. ما يجري اليوم يهدد النسيج الاجتماعي، ويزرع الثأر في أجيال كاملة، لتتحول الأرض من مصدر عيش إلى ساحة صراع دائم.

بقعة الأرض تتحول إلى لعنة
يقول المزارع (ياسر عبدالله - شاهد عيان):رأيتهم يسقطون واحداً تلو الآخر. صمت ما بعد الرصاص كان أقسى من صوته. الأرض التي كانت سبب الرزق صارت سبباً للموت. اختلط الدم بالتراب، فأصبح الناس يخشون الاقتراب من المنطقة. كل شيء هنا صار مشبعاً بالخوف والحزن.

الختام:
إن الميزان الذي يزن الأرض بالدم ميزان خاسر لا محالة. كل شبر يُسفك لأجله دم بريء هو أرض لا تباركها السماء.
إلى كل من تضيق به الدوائر في صعدة وغيرها: بيت يضم أباً حياً خير من ألف فدان تُروى بالدم. لا تسمحوا للغضب أن يكتب نهاية عائلاتكم. حين تخمد نيران الفتنة، لن يبقى سوى الندم، ولن تعوض كنوز الأرض روحاً أُزهقت.

اتقوا الله في الدماء؛ فالأرض باقية، والأعمار فانية.