تهامة في قبضة التجويع .. كيف حوّلت مليشيا الحوثي ميناء الحديدة إلى منصةٍ لتمويل الحرب ؟
خلف ضجيج الرافعات في ميناء الحديدة، وقصص الثراء الفاحش التي تُنسج حول "اقتصاد الحرب"، تكمن حقيقةٌ أخرى أكثر قتامة الحديدة ليست مجرد مدينةٍ ساحلية يلفحها الهجير، بل هي "خزينةُ الجماعةالحوثية " التي تُغذي آلتها العسكرية، بينما يغرق سكانها في مستنقعٍ من الفقر المدقع الذي صنعته مليشيا الدمار عن عمدٍ وإصرار. في هذا التحقيق، نغوص في أعماق المدينة التي تملك كل شيء ولا تملك أي شيء، لنكشف كيف تحولت الثروة إلى نقمة، وكيف أضحى المواطن "الحديدي" غريباً في أرضه، مسلوب الإرادة، ومحرومًا من أبسط حقوقه في البقاء، بينما تُبنى قصورٌ من معاناة الضعفاء وتُهدر موارد البحر تحت غطاء السيطرة المطلقة التي لا ترحم ولا تغفل عن جباية قرشٍ واحد من قوت الناس.
رأيتُ زملائي يُسحلون
(إبراهيم زيلعي - صيادٌ مسن، فقد قاربه)
البحر الذي كان يطعمنا بالأمس، أصبح اليوم ساحةً للموت والمطاردة تحت سطوة مليشيا الدمار الحوثي كنت أخرج في الفجر لأعود بقوت يومي، لكن اليوم، يفرضون علينا إتاوات تحت مسميات عدة، وإذا اعترضنا، يُصادر القارب بذريعة 'العمل العسكري'. لقد رأيتُ زملائي يُسحلون أمام أعيننا لأنهم طالبوا بحقهم في الصيد في مياههم التي ولدوا فيها. لم يعد البحر لنا؛ لقد خصخصوا الأمواج، وجعلوا الهواء الذي نتنفسه بضريبة غير مرئية. أطفالي ينامون وهم ينتظرون عودتي بـ 'غلة' الصيد، فأعود بيدي فارغتين، مكسور الخاطر، خائفاً من بطشهم الذي لا يفرق بين شيخٍ طاعن وطفلٍ يترنح جوعاً. إننا نعيش في سجنٍ كبير، جدرانه زرقاء، وسجانه لا يعرف معنى للرحمة، ويراقب تحركاتنا حتى في عمق البحار وكأننا نرتكب جريمة لمجرد أننا نحاول العيش بكرامة في أرضنا التي نهبتها المليشيا.
المعلم اليوم يُهان في الشارع وهو يبحث عن أي مهنة أخرى
(أحمد معافا - معلم مدرسة حكومية)
التعليم في الحديدة يحتضر في غرف صفية تشبه القبور، حيث لا رواتب ولا أبسط المقومات في ظل سيطرة مليشيا الدمار الحوثي لثلاث سنوات، وأنا أقف أمام طلابٍ جياع، أحدثهم عن المستقبل وهم لا يعرفون كيف سيصلون إلى المساء دون أن ينهشهم المرض المناهج تم العبث بها، والهدف ليس بناء عقول، بل حشوها بالأفكار التي تخدم سلطة الأمر الواقع، المعلم اليوم يُهان في الشارع وهو يبحث عن أي مهنة أخرى ليعيل أسرته، بينما يكتظ الميناء بالبضائع التي تذهب عوائدها لجيوب القلة القليلة، لا لترميم مدرسة أو شراء كتاب، نحن نخرج جيلاً مهشماً، مشتتاً، ومحروماً من أدوات العلم، في وقت تنهب فيه هذه المليشيا خيراتنا لتصرفها على معسكراتها التي لا تجلب لنا إلا الدمار والمزيد من الفقر الذي يفتك بنسيجنا الاجتماعي ويحطم طموحات أبنائنا."
الفساد داخل المؤسسات الطبية تجاوز كل الحدود
د. محمد حكمي طبيب
الواقع الصحي في الحديدة كارثي بكل ما تحمله الكلمة من معنى؛ المستشفيات تفتقر للأكسجين، والأدوية الأساسية أصبحت ترفاً لا يقدر عليه المواطن البسيط بسبب سياسات مليشيا الدمار الحوثي نرى أطفالاً يموتون يومياً بسبب أمراضٍ كان يمكن علاجها ببضع ريالات، لكنهم يموتون لأن لا مال لديهم لشراء العلاج، بينما تذهب ميزانيات المحافظة والميناء لتمويل جبهات القتال ،الفساد داخل المؤسسات الطبية تجاوز كل الحدود، حيث يتم التلاعب بالدعم الإغاثي وتحويله للأسواق السوداء التي يديرها نافذون في الجماعة، نحن كأطباء نعمل بضميرنا في بيئة تحارب الضمير، نرى الأمهات يبكين على فلذات أكبادهن ونحن نقف مكتوفي الأيدي، لا نملك إلا الدموع والأسى، إنها جريمة إنسانية ممنهجة تُرتكب تحت مسميات مختلفة، بينما تُهدر الموارد التي كانت تكفي لعلاج سكان تهامة بأكملهم."
الفقر أداة تحكم
(فاطمة الأهدل ناشطة مجتمعية)
المرأة في الحديدة تتحمل العبء الأكبر؛ فهي الأم التي تحرم نفسها من الطعام لتطعم أطفالها، والزوجة التي تنتظر عودة زوجها من سوق العمل الذي أصبح ساحة للمذلة بفعل ممارسات مليشيا الدمار الحوثي. رأيتُ نساءً يبعن أثاث منازلهن لشراء كيس دقيق، بينما تُقام المهرجانات الاحتفالية والمظاهر الدعائية بتمويل من الميناء الذي يُفترض أنه ملك للشعب. هناك تضييق مستمر على أي صوت يحاول أن ينطق بالحقيقة، فالجميع هنا تحت المراقبة؛ حتى في بيوتنا، نخشى من الوشاية. الفقر في الحديدة ليس قدراً، بل هو أداة تحكم؛ فهم يريدوننا أي الحوثيون أن نظل مشغولين بالبحث عن 'رغيف الخبز' لننسى المطالبة بحقوقنا في الثروة والسيادة والحرية. نحن نعيش في قهرٍ مكتوم، لكن الغليان في صدورنا قد ينفجر في أي لحظة أمام هذه الممارسات التعسفية.
الحديدة تُذبح من الوريد إلى الوريد،
(حسن عطية - تاجر صغير سابق)
كنت أملك محلاً صغيراً، واليوم أنا أبيع الشاي على الرصيف، بعد أن أغلقت مليشيا الدمار الحوثي محلي بسبب عدم قدرتي على دفع الجبايات التي لا تنتهي، يفرضون علينا رسوماً تحت مسميات دعم المجهود الحربي، وتارة تحت مسمى التحسين، والنتيجة أننا نغلق أبوابنا واحداً تلو الآخر، الميناء الذي كان يُفترض أن يحرك اقتصاد المدينة، أصبح يخنق التجار الصغار ليحتكر كبار المهربين والموالين للمليشيا كل شيء. لا يوجد قانون، يوجد فقط مزاج المسؤول، والقرار الذي يصدر في الصباح يتم تغييره في المساء لنهب ما تبقى في جيوب الناس. الحديدة تُذبح من الوريد إلى الوريد، ومالها يُجمع في صناديق سوداء لا نعرف أين تذهب، بينما يرتفع معدل الانتحار والجنون بسبب الضغوط الاقتصادية التي فرضتها هذه السلطة الغاشمة."
الخاتمة:
الحديدة ليست مجرد بقعة جغرافية على خارطة اليمن، بل هي ضميرُ وطنٍ يُغتال كل يوم أمام أعين العالم تحت وطأة مليشيا الدمار الحوثي، إن "الظلم المزدوج" الذي يعاني منه أهل تهامة ليس مجرد أزمة خدمات، بل هو مشروعُ إخضاعٍ شامل يهدف لكسر إرادة مدينة كانت يوماً بوابة اليمن إلى العالم. لقد تحول الميناء، الذي كان يجب أن يكون جسراً للتنمية والرخاء، إلى سجنٍ كبير يُغذي آلة الحرب الحوثية بالمال والوقود، بينما يغرق أبناء الحديدة في بحرٍ من الفقر والنسيان.
إن استمرار هذا النزيف ليس مجرد عجزٍ في الإدارة، بل هو جريمةٌ مكتملة الأركان تتطلب وقفةً شجاعة لا تكتفي بالتوصيف، بل تصرخ في وجه الصمت، فالتاريخ لا يرحم، والعدالة وإن تأخرت، لا بد أن تشرق شمسها يوماً، لتُحاسب كل من جعل من جوع الناس تجارة، ومن أمنهم ساحةً للعبث والدمار. الحديدة اليوم تصرخ، فهل من مجيبٍ لنداء مدينةٍ كانت تنبض بالحياة، وأصبحت اليوم تعيش على فتاتِ الوجع؟