"المنتصف" يقف على أبرز الممارسات والمؤشرات على الأرض .. اليمنيون يعيشون "الكارثة" (الحلقة الثالثة)

"المنتصف" يقف على أبرز الممارسات والمؤشرات على الأرض .. اليمنيون يعيشون "الكارثة" (الحلقة الثالثة)
مشاركة الخبر:

ننتقل في هذه الحلقة إلى استعراض أبرز ممارسات الفساد التي دأبت عليها كيانات الصراع والفوضى في مناطق سيطرة عصابة الحوثي الإيرانية، وفي المناطق الخاضعة لسيطرة الحكومة المعترف بها دولياً، والتي قادت اليمنيين إلى الكارثة التي يعيشونها من فاقة وعوز وفقر وجوع وأمراض وغيرها من مكدرات الحياة ومنغصات العيش.

يعد الفساد العنصر المشترك بين كيانات الصراع على مدى العقد الماضي، أي منذ انقلاب عصابة الحوثي التي عملت على تقسيم اليمن والعملة والبنك والحكومة وكل مؤسسات الدولة، وذلك بعد اقتحامها صنعاء بمساندة الإخوان (حزب الإصلاح) والرئيس هادي، حيث عملت في بداية الأمر على نهب عدد من المرافق والمؤسسات العسكرية والبنك المركزي اليمني في صنعاء، حيث استولت على الاحتياطي النقدي فيه والمقدر بأكثر من أربعة مليارات دولار.

فساد عصابة الحوثي.. نهج راسخ
منذ سيطرتها على صنعاء والمناطق الواقعة فعلياً تحت سيطرتها، عمدت عصابة الحوثي الإيرانية إلى ممارسة جميع أنواع الفساد وإساءة استخدام السلطة لتحقيق مكاسب خاصة، حيث أصبح نهجاً راسخاً في إدارتها لتلك المناطق، ما تسبب في تشظي البلاد اقتصادياً ومالياً، وخلق أنشطة وشبكات مشبوهة لممارسة الفساد.
وبالنظر إلى انتشار الفساد متعدد الأوجه في اليمن، نجد أن هناك تشاركية وتشابكاً وشبكات معقدة بين أطراف الصراع تمارس الفساد المنظم على حساب حياة المواطنين الأبرياء، أبرزها في المجالات العسكرية والنفط والغاز والصرافة والمخدرات، بحيث أصبح الفساد متجذراً شمالاً وجنوباً وفي جميع المناطق.
فمنذ عقد من الزمن شهدت مناطق الحوثيين فساداً تجاوز حدود التصنيف الدولي لقضايا الفساد، نتيجة استحواذها على مؤسسات الدولة التي حولتها إلى كيانات خاصة تدر عليها الأموال والمكاسب، فضلاً عن الاستحواذ الإداري على الوظيفة العامة.

شبكات الفساد الحوثية
بعد استحواذها على مؤسسات الدولة في مناطق سيطرتها، عمدت عصابة الحوثي إلى تشكيل شبكات فساد من العناصر المقربة من زعيم العصابة عبد الملك الحوثي، ومن الأسر المعروفة بـ"السادة"، ومن العناصر التي بدأت مع زعيم الحركة الصريع حسين بدر الحوثي، ومن أبرزهم محمد عبد السلام فليته، ناطق الجماعة ورئيس وفدها المفاوض، وزعيم شبكات الفساد العابرة للحدود.
أسست عصابة الحوثي شبكات فساد تحت غطاء رسمي بعد احتلالها مؤسسات الدولة، من فاعلين وأقلية تم اختيارهم بعناية وفقاً لقواعد اللعبة التي مارستها فيما يتعلق بإدارة الفساد، والمتمثلة بـ"الفساد ومحاربة الفساد"، بحيث تمرر عملياتها عبر عناصر مهمشة أو مجهولة الهوية، كما هو الحال مع عبد السلام فليته، الذي يحمل هذا الاسم حركياً فيما اسمه الحقيقي مجهول.
ويتم ممارسة الفساد في مناطق سيطرة عصابة الحوثي عبر شبكات محسوبية وأخرى من المجرمين والمساجين، وأخرى مشتركة بين الجماعة والشرعية، حيث تمتد تلك الشبكات إلى خارج حدود اليمن، لتشكل في مجملها دعماً مالياً واقتصادياً رئيسياً للجماعة.

فساد مشترك لزيادة الأرباح
منذ تسلم هادي للسلطة في 2012، مروراً بالانقلاب المتفق عليه في 2014، وصولاً إلى انقسام البلاد في 2016، نشأت شبكات فساد متغلغلة في جميع مرافق الدولة المسلوبة، وعلى مستوى الشرائح الاجتماعية والاقتصادية والطبية والتعليمية والدينية، وفي مقدمتها العسكرية والأمنية، تديرها طبقة القادة الذين يسمون أنفسهم سياسيين.
ومع تطور الحرب العبثية المضللة بين أطراف الصراع والمصالح المشتركة، أصبح الفساد منهجياً يمارس بشكل لحظي، حيث يظهر للمواطن أن هناك صراعاً بين الأطراف عسكرياً وسياسياً، لكن تحت الطاولة هناك شراكة تدير فساداً مزدهراً على كافة المستويات المختلفة، يستفيد منه مجموعة واسعة من القيادات السياسية والعسكرية ورجال الأعمال الصاعدين والمتمكنين حديثاً، إلى مسؤولين أمنيين محليين يسيطرون على نقاط التفتيش، وصولاً إلى مصرفيين تجاريين وصرّافين وحتى سائقي الشاحنات والموظفين المدنيين، حيث إن شبكات الفساد تجاوزت الصراع وأصبحت عابرة للحدود والجبهات بكل صراحة، بتعاون الخصوم المفترضين بغية زيادة أرباحهم.
لذا كانت النتيجة عدم التوصل إلى سلام، فهو لا يخدم جميع الأطراف، وزاد من معاناة المواطنين، وهذه نتيجة كارثية على جميع المستويات.

فساد النفط والغاز
شكلت موارد النفط والغاز الكبيرة طمعاً لجميع الأطراف، لذا تم الاتفاق على أن تبقى موزعة في النطاق المحلي، وانتقلت عمليات هذا القطاع إلى أطراف أكثر عداءً لليمن، كالإخوان ومليشيا الحوثي.
في مأرب تستحوذ جماعة الإخوان (حزب الإصلاح) على إيرادات النفط والغاز، وتتاجر بها بطريقة مخالفة لجميع القوانين والأنظمة واللوائح المنظمة لبيع وتجارة النفط والغاز المحلية والعالمية، وسنتناول هذا الملف في إطار فساد الشرعية.
استغلت مليشيا الحوثي العمليات المرتبطة باستيراد وتوزيع وبيع الوقود في مناطق سيطرتها، وفقاً لرؤيتها وبالأسعار التي تقرها بعيداً عن شركة النفط والغاز اليمنية، لذا خلقت سوقاً موازياً لتجارة النفط والغاز سمي "السوق السوداء"، قبل أن تعود لتسيطر على محطات البترول والغاز في جميع مناطقها.
كانت حجة الجماعة قبل الانقلاب أنها ترفض زيادة سعر أسطوانة البترول سعة 20 لتراً التي فرضتها حكومة هادي حينها والبالغة 3 آلاف ريال، بزيادة 500 ريال فقط، أي إن الخمسمائة كانت الذريعة التي سيطرت بها الجماعة على الدولة، فيما تبيعها اليوم بأكثر من 14 ألف ريال.
ومن فساد مليشيا الحوثي في هذا المجال:
- إنشاء شركات توزيع خاصة بالجماعة تتبع محمد فليته.
- الاستحواذ على معظم محطات التعبئة لمادتي البنزين والغاز المنزلي، والتحكم بالأسعار وفقاً لمزاجية تجار هذه السلع الهامة.
- إدخال مشتقات نفطية مغشوشة تسببت في أعطال مركبات المواطنين نتيجة استحواذها على تجارة النفط والغاز.
- القيام بعمليات تهريب للنفط الإيراني عبر سفن مشبوهة وبيعه بأسعار مرتفعة وإرسال عوائده إلى النظام الإيراني المفروض عليه حصار دولي في هذا المجال.
- استغلال خزان صافر بعد سرقة النفط المخزن فيه، في عمليات تهريب وتخزين نفط إيراني مغشوش.
- تنفيذ عمليات تهريب مشتركة من مناطق الشرعية لمادتي الغاز والديزل.
- التحكم بالسوق المحلية في مناطق سيطرتها وخلق أزمات مفتعلة بين الحين والآخر لرفع أسعار النفط والغاز.
- إنشاء شركات وهمية لتجارة النفط والغاز تتبع مقربين من عبدالملك الحوثي، وإبرام عقود وهمية مع شركات تابعة لقيادات حوثية بمئات ملايين الدولارات لتهريب الأموال، ومن هذه الشركات شركة "الذهب الأسود" المملوكة للقيادي علي قرشة، وشركات "كوجاز" و"فنتوم"، بعقود مشبوهة بمبالغ ضخمة.
- تدمير عمليات شركة النفط والغاز الحكومية وتعطيل مهامها وإفراغها من مضمونها.
- استبدال الكوادر العاملة في قطاع النفط والغاز في موانئ الحديدة بكوادر حوثية لتمرير عمليات تهريب واسعة للنفط الإيراني والعراقي.
- سرقة النفط الخام من أنابيب النفط الممتدة بين مأرب وشبوة، وتفجير بعضها.

فساد عبر شركات وهمية
كشف تقرير رسمي صادر عن الجهاز المركزي للرقابة والمحاسبة عن عمليات فساد مارستها العصابة الحوثية في مجال النفط عبر شركات وهمية لتنفيذ عمليات غسل الأموال، حيث تشير الأرقام الواردة في التقرير إلى حصول شركة "الذهب الأسود" على مبلغ 600 ألف دولار، وهي شركة تعود ملكيتها للقيادي الحوثي علي قرشة، كما حصلت شركة "كوجاز" على مبلغ 156 مليون دولار، وشركة "فنتوم" على 39.9 مليون دولار، وشركة "أنرون" على 31.8 مليون دولار.
وبحسب التقرير، فقد قام الحوثيون بسحب 23 مليار ريال يمني من عائدات بيع النفط تحت مسمى "المجهود الحربي". وإضافة إلى المبالغ التي تم سحبها، فقد عمدت الجماعة إلى إحلال موظفين موالين لها في مؤسسات النفط، حيث يشير التقرير إلى توظيف ما لا يقل عن 796 موظفاً جديداً من الموالين للجماعة.
كما قامت جماعة الحوثي بتحميل الشركة مبلغاً لا يقل عن 25 مليون دولار مقابل خسائر "الديمرج" (تكاليف وخسائر توقف السفن) نيابة عن التجار، إضافة إلى أنها قامت بشراء سيارات وأثاث منزلي بقيمة 230 مليون دولار، في حين دفعت الشركة مليوناً و400 ألف دولار لبنك التسليف التعاوني الزراعي (كاك بنك) مقابل عمولات تحويل مصرفي.