أمانة العاصمة تحت المقصلة .. كيف قادت مليشيا الحوثي اقتصاد السكان إلى الهاوية؟

أمانة العاصمة تحت المقصلة .. كيف قادت مليشيا الحوثي اقتصاد السكان إلى الهاوية؟
مشاركة الخبر:

​في أمانة العاصمة، لا تُقاس الساعة بالدقائق، بل بمدى اتساع الفجوة بين الأمل والواقع الذي فرضته سياسات مليشيا الحوثي. لم تأتِ هذه المأساة من فراغ، بل هي نتيجة مباشرة لنهجٍ ممنهج تتبعه المليشيا، التي أحكمت قبضتها على مقدرات المدينة، وحولتها إلى ساحةٍ لاستنزاف المواطنين. يصحو المواطن كل صباح ليخوض معركة وجودية ضد عدوٍ غير مرئي صنعه بطش المليشيا، حيث تلاشت قيمة العملة، وتآكلت الرواتب، وتضخمت الجبايات التي لا تنتهي.

​نحن هنا أمام مشهد تراجيدي، تُكتب فصول المعاناة فيه على وجوه المارة الذين تضيق بهم سبل العيش بسبب ممارسات سلطةٍ لا تكترث إلا باستمرار قبضتها، بينما تتبخر أحلامهم في أتون أزمةٍ تديرها المليشيا ببراعة لخدمة أجندتها الخاصة، رافضةً السماح لأي بارقة أمل بأن تتنفس في أزقة المدينة العتيقة.

نبتلع مرارة الأيام ونرتدي أقنعة الثبات
​(محمد سعيد - موظف حكومي سابق) قال: تخيل أنك قضيت ثلاثين عاماً في خدمة الدولة، لتجد نفسك في النهاية متسولاً ببدلة رسمية مهترئة. كل صباح، أخرج من منزلي في أمانة العاصمة ليس للذهاب إلى العمل، بل للمطاردة. أطارد الأسعار التي تقفز أسرع من أسعار البورصة العالمية، وأطارد أصحاب البقالات الذين أصبحوا ينظرون إليّ كمدينٍ متهرب. قبل سنوات، كان راتبي يغطي حاجات منزلي ويوفر لي ادخاراً بسيطاً، أما اليوم فأنا أتحول إلى محاسبٍ عبقري؛ أحسب سعر الغاز مقابل الخبز، وأوزع اللحم على أيام الأسبوع كأنه دواءٌ كيميائي باهظ الثمن. أسوأ لحظة في يومي هي عندما يسألني طفلي الصغير عن سبب غياب الفاكهة عن مائدتنا، فأختلق قصصاً عن "المواسم" و"سوء الحظ". لا أستطيع أن أخبره أن راتبي، الذي كان يشتري لنا حياة، بالكاد يشتري لنا الآن بصيصاً من الخجل أمام أطفالنا. الغريب أننا نعيش في وسط هذا الوضع بصمت، نبتلع مرارة الأيام ونرتدي أقنعة الثبات، بينما في الداخل هناك ألف انفجار يحدث كلما دخلت منزلي ووجدت زوجتي تحاول تطويع القليل من الدقيق ليمتد أسبوعاً كاملاً.

​أنا شاهدٌ على انهيار كرامة الأسر  
(أحمد علي - صاحب بقالة صغيرة) قال: إذا أردت أن تعرف حقيقة ما يحدث في أمانة العاصمة، لا تذهب إلى البنك المركزي، تعالَ إلى دفتري الصغير هذا. إنه كتاب التاريخ الحقيقي لهذه المدينة. كل صفحة فيه تمثل عائلة كانت ذات يوم كريمة وعزيزة، وتحولت اليوم إلى قائمة طويلة من الأرقام المؤجلة. أعرفُ ملامح الخجل في وجوه زبائني حين يطلبون "بالدين"، وأعرف كيف يرتجف صوت الأب حين يطلب كيساً من الأرز وهو يعلم أن ذمته مثقلة بما لا يطيق سداده. أنا لست تاجراً بقدر ما أنا شاهدٌ على انهيار كرامة الأسر. أحياناً أضطر لرفض الطلب، ليس قسوةً مني، بل لأن بضاعتي أيضاً تُشترى بالمال الحقيقي وليس بالوعود. نحيا جميعاً في حلقة مفرغة؛ الجميع مدين للجميع، وكلنا ننتظر انفراجة قد لا تأتي. الدفتر يمتلئ يومياً، والأسعار في الخارج لا ترحم، وأنا أقف وسط هذا المشهد لا أعرف هل أحزن على رأس مالي الضائع، أم على جيراني الذين فقدوا القدرة على توفير وجبة عشاء محترمة.  

نظرات الناس مؤلمة  
(نورة حسن - خريجة جامعية تعمل بائعة متجولة) تقول:  
حملتُ شهادتي الجامعية بتقدير امتياز، ظناً مني أنها ستكون مفتاحي للمستقبل، لكنني اكتشفت أنها مجرد قطعة ورق لا تصلح حتى لإشعال النار لطهي الغداء. وجدتُ نفسي في الشارع في أمانة العاصمة، ليس لأطالب بحقوقي، بل لأبيع العطور والبخور والمنظفات البسيطة بين السيارات وفي الحافلات. نظرات الناس لي مؤلمة، يختلط فيها الشفقة بالاستغراب، لكن الحاجة علمتني أن الكرامة ليست في الجلوس في البيت بانتظار وظيفة لن تأتي. أواجهُ يومياً مضايقات، وأحياناً إهانات، وأعيش في خوف دائم من نقاط التفتيش والقيود التي تفرضها سلطات مليشيا الحوثي على حركة النساء. لا يوجد أمامنا سوى التكيف أو الموت جوعاً. أحلمُ باليوم الذي تفتح فيه الأبواب، ليس للعودة إلى الوظيفة، بل للعيش بكرامة دون أن أضطر لتبرير وجودي في الشارع. هذا الواقع جعلنا كائناتٍ هشة؛ نتحرك بحذر، نتحدث بهمس، ونخاف حتى من أحلامنا.  

الكل يعيش على حافة الانهيار  
(محسن عبده - سائق حافلة أجرة) يقول:الوقود يا صديقي هو المحرك الأول لكل وجع في أمانة العاصمة. عندما أرفع سعر الأجرة، لا أفعل ذلك طمعاً، بل لأني أضطر لشراء الوقود بالسعر التجاري المتقلب. كل يوم أخرج فيه أبدأ بخصم قيمة الوقود، ثم الضريبة، ثم الإتاوات التي نواجهها في الطرقات، ولا يتبقى لي في النهاية سوى فتات لا يسمن ولا يغني من جوع. أعاني من نظرات الركاب الحاقدة؛ يظنون أنني أستغلهم، ولا يعلمون أنني أحياناً أعود إلى المنزل بأقل من ثمن صيانة الحافلة. المدينة تغيرت، والطرقات مليئة بالنقاط الأمنية التي تعيق الحركة وتؤخر الأرزاق. أشعر أننا في سجن كبير، مقسم إلى مناطق، وكل منطقة لها قوانينها. لقد نسيتُ طعم الراحة؛ فأنا إما خلف المقود، أو في طابور محطة الوقود، أو في صراع مع قطع الغيار التي أصبحت أسعارها خيالية. إننا نسير في حلقة مفرغة، والكل يعيش على حافة الانهيار، ننتظر انفراجة قريبة ورحمة الله.  

نعيش حياة الموت البطيء  
(فاطمة يحيى - ربة منزل وأم لثلاثة أطفال): يقولون إن المرأة هي عماد البيت، لكن في أمانة العاصمة اليوم، المرأة هي التي تبتكر المعجزات من العدم. لكي أوفر وجبة اليوم، أضطر لبيع أثاث منزلي قطعة قطعة. بدأت بقطع الزينة، ثم الأجهزة الكهربائية، والآن أفكر ببيع ما تبقى من أدوات المطبخ. الحياة هنا لا ترحم من لا يملك. ليس انقطاع الرواتب فقط هو المشكلة، بل غياب الخدمات الأساسية؛ ففي غياب الماء والكهرباء تصبح تكاليف المعيشة مضاعفة. أصعب شيء هو عندما يطلب ابني شيئاً بسيطاً، مثل قطعة حلوى أو حذاء جديد، وأنا أعلم أنه لا يوجد في جيبي ما يكفي لخبز اليوم التالي. أمارسُ دور "الساحرة" في البيت؛ أخفي عنهم حجم المأساة، وأطبخ لهم ما تيسر من البقوليات وأسميها "وجبات فاخرة". نحن نعيش حياة معلقة، وننظر إلى المستقبل بخوف: ماذا لو انتهى كل شيء؟ ماذا لو لم أجد قطعة أثاث أخرى لبيعها؟ إنها حالة من الموت البطيء، حيث نكتفي بالدعاء والصبر.  

الختام:  
في نهاية هذه الرحلة بين دفاتر الديون وأحلام الخريجين الموؤودة، ندرك أن "الأرقام" لا تحكي الحكاية كاملة؛ فالحكاية الحقيقية تُكتب بمداد المعاناة التي سببتها مليشيا الحوثي وما زالت تصر على تعميقها يوماً بعد آخر.  
إن استمرار هذا النهج في أمانة العاصمة ليس سوى استنزاف للنسيج الاجتماعي ومحاولة لإخضاع إرادة الناس عبر الجوع والفقر.  
إن الحقيقة التي لا يمكن حجبها بالشعارات هي أن المليشيا هي المتسبب الأول في انهيار الخدمات وتفكك الأسر، وأن مسؤوليتها عن هذه المأساة تظل ثابتة في ضمير كل مواطن اكتوى بنار سياساتها.  
ستظل أمانة العاصمة شاهدة على أن الشعوب قد تُحاصر، لكنها لن تغفر أبداً لمن سلبها كرامتها ومستقبل أطفالها. إن الطريق نحو استعادة الحياة يبدأ بإنهاء هذا العبث الذي تقوده المليشيا، وإعادة الحقوق لأصحابها، فالتاريخ لا يرحم من حوّل حياة الناس إلى كابوس دائم.