هندسة النتائج الجيوسياسية في التفاهم الأمريكي - الإيراني..!
لم يكن التفاهم الأخير بين واشنطن وطهران مجرد وثيقة تكتيكية عابرة لخفض منسوب التوتر المسلح في جغرافيا الشرق الأوسط المشتعلة.
بل إن القراءة الفاحصة لبنود هذه المذكرة الـ14 تكشف عن تحول بنيوي استراتيجي يعيد رسم الخارطة الجيوسياسية والتوازنات الإقليمية للمنطقة برمتها لعقود قادمة.
وهناك بون شاسع ومفارقة صارخة بين الضجيج الإعلامي الصاخب الذي يسوقه البيت الأبيض عن "نصر ساحق واستسلام غير مشروط" فرضته إدارة الرئيس دونالد ترامب على طهران، وبين الحقائق الرقمية والقانونية والأمنية التي صاغها المفاوضون خلف الكواليس.
إن الحروب في جوهرها التاريخي وفلسفتها السياسية لا تُقاس بمستويات الدمار المادي، ولا بحجم البنى التحتية المحطمة، ولا حتى بمساحات الخراب التي تخلّفها الآلة العسكرية في المدن، بل بالمخرجات السياسية النهائية ومدى خدمتها للمشاريع والاستراتيجيات الكبرى للأطراف المتصارعة.
ومن هذا المنطلق، تبدو الوثيقة الموقعة وكأنها صياغة مبكرة لانتصار إيراني مستدام وصامت، جرى تغليفه بتهدئة أمريكية مؤقتة ومقايضة نفعية تخدم الحسابات الانتخابية الضيقة لواشنطن.
تكمن الخطيئة الأولى والأخطر لهذا التفاهم في الانزلاق المصطلحي المعيب الذي ميز لغة البند الأول من الوثيقة، حيث جرى إدراج الفصائل والكيانات المسلحة التابعة لطهران في المنطقة تحت مسمى "الحلفاء".
هذا التوصيف يمثل سطحية سياسية بالغة، وتجاوزًا متعمدًا لكافة المفاهيم المستقرة والقواعد الصارمة في القانون الدولي.
ففي العرف القانوني والدبلوماسي، لا يُطلق مصطلح "حليف" جزافًا، بل يرتبط بشروط هيكلية وسيادية محددة، أبرزها وجود معاهدة تحالف رسمية وموثقة تُبرم بين دولتين أو أكثر تتمتع كل منها بالسيادة الكاملة والاستقلال السياسي المعترف به أمميًا.
كما يترتب على هذا التحالف التزامات قانونية وأمنية واضحة ومتبادلة، لاسيما في مجالات الدفاع المشترك والأمن الجماعي، حيث يلتزم كل طرف بموجب القانون بحماية الطرف الآخر وفق آليات دستورية ونظامية واضحة.
إن إضفاء صفة "التحالف" بموجب وثيقة دولية على مليشيات طائفية عابرة للحدود، وتعمل خارج إطار التوافق الوطني والقانوني لبلدانها، يمنح هذه الكيانات شرعية دولية كأطراف موازية ومحمية لم تكن تحلم بها.
لقد أفرغ هذا التوصيف مفهوم "الدولة الوطنية" في المنطقة من محتواه السيادي، وقدم لإيران اعترافًا دوليًا بوكلائها الذين أُنشئوا بهدف تفتيت مجتمعاتهم، وهو تنازل استراتيجي تاريخي تفوق أهميته لدى صانع القرار في طهران طموحات الملف النووي نفسه، لأنه يضرب مشروع الدولة الوطنية في الصميم ويشرعن الكيانات الموازية.
على الصعيد الاقتصادي والمالي، يمثل هذا التفاهم طوق نجاة شاملًا ومتكاملًا لإنقاذ الاقتصاد الإيراني المنهك من حافة الانهيار، ويفكك منظومة العقوبات الدولية بشكل موضوعي ومتسارع عبر حزمة من البنود المترابطة والمجدولة زمنيًا.
بموجب البندين الرابع والعاشر من الوثيقة، تتعهد الولايات المتحدة برفع الحصار البحري كاملًا عن الموانئ الإيرانية خلال ثلاثين يومًا، بالتوازي مع إصدار وزارة الخزانة الأمريكية إعفاءات فورية وتامة تتيح لطهران تصدير نفطها الخام ومشتقاته وخدماته المرتبطة به دون عوائق.
ويمتد السخاء الأمريكي وفق البند الحادي عشر ليشمل الإفراج المطلق وغير المقيد عن كافة الأرصدة والأموال الإيرانية المجمدة في الخارج، وتسهيل حركتها وتحويلها عبر المصارف العالمية لخدمة البنك المركزي الإيراني في الدفع لأي مستفيد يحدده.
أما المفاجأة الاستراتيجية الأكثر إثارة للجدل، فتتجلى في البند السادس الذي يلزم الولايات المتحدة بوضع خطة نهائية ومتفق عليها لإعادة إعمار وتنمية إيران بقيمة خيالية لا تقل عن 300 مليار دولار.
هذه الكلفة الباهظة لن يتحملها دافع الضرائب الأمريكي، بل جرى تصميمها بذكاء لتُفرض بالتعاون مع شركاء واشنطن الإقليميين ودول الجوار، مما يحول الضحايا المفترضين للتمدد الإيراني في المنطقة إلى ممولين رسميين لإعادة بناء جغرافيتها الاقتصادية وتنشيط أسواقها.
في المقابل، جاءت معالجة الهواجس الأمنية الكبرى للمجتمع الدولي، كالبرنامج النووي والترسانة الصاروخية، متسمة بالترحيل والميوعة والغموض الهدام الذي يخدم بقاء القوة الإيرانية كأمر واقع.
فبموجب البندين الثامن والتاسع، اكتفت الوثيقة بإعلان مبدئي وإنشائي من طهران بعدم السعي لحيازة أو تطوير أسلحة نووية، مع الإبقاء الكامل على "الوضع القائم" لمنشآتها وبرنامجها الحالي دون أي تفكيك أو تدمير.
واقتصرت الإجراءات العاجلة على تخفيض نسبة التخصيب داخل المواقع وتحت إشراف الوكالة الدولية للطاقة الذرية، مع ترحيل التفاصيل الفنية والنهائية المتعلقة بالمخزون والمواد المخصبة والمستويات المسموح بها للاستخدامات السلمية إلى مفاوضات لاحقة تُسقف بستين يومًا.
هذه الصياغة تعني عمليًا اعترافًا ضمنيًا بإيران كدولة على "العتبة النووية"، يمتلك مجتمعها العلمي والتقني القدرة على العودة للتخصيب العالي متى ما تبدلت الظروف السياسية.
والأنكى من ذلك هو الغياب الكامل والمطلق لملف الصواريخ الباليستية والمسيّرات عن نصوص الاتفاق الـ14، حيث فُصل هذا المسار تمامًا وغُيب عن طاولة النقاش.
هذا التجاهل المتعمد يمنح طهران الحق في مواصلة تطوير ترسانتها الردعية وأنشطتها الإقليمية دون أي قيود، ويؤكد الشكوك بأن الإبقاء على البعبع الإيراني يمثل حاجة أمريكية مبطنة لإدامة الاستنزاف المالي لدول النفط تحت لافتة "طلب الحماية" وتنشيط مبيعات مصانع السلاح الغربية.
إن الانعكاسات المباشرة لهذه الهندسة السياسية تظهر بوضوح في جغرافيا الملفات الإقليمية الساخنة، وتحديدًا في اليمن ولبنان، حيث جرى تثبيت سلطات الأمر الواقع بكفالة دولية.
في المشهد اليمني، تفتح هذه المناخات والتفاهمات المذكورة الباب واسعًا لمنح جماعة الحوثي شرعية سياسية واقتصادية دولية مستدامة تفوق حجمها المحلي.
الاتجاه الدولي الجديد، المستند إلى هذه المذكرة، يسير نحو إدماج سلطة الانقلاب في الدورة الاقتصادية والسياسية الإقليمية، والذهاب نحو تسوية مجحفة تنتقص من تطلعات الحركة الوطنية اليمنية وقواها المدافعة عن سيادة الدولة.
هذه التسوية تكرس الحوثي حاكمًا باسطًا ليده ومقررًا وحيدًا في المعادلة اليمنية، مقابل شراكات هامشية وشكلية لبقية القوى الوطنية المؤمنة بحل الدولة ومؤسساتها الرسمية.
ولم يتوقف الأمر عند الجغرافيا البرية، بل امتد النفوذ الإيراني ليتجاوز البحر الأحمر نحو مياه الخليج وبحر عُمان بموجب البند الخامس، الذي يمنح طهران تفويضًا بإجراء حوار مباشر مع سلطنة عُمان لتحديد آليات الإدارة المستقبلية والخدمات البحرية في مضيق هرمز الاستراتيجي، وهو ما يهمش بقية الدول المشاطئة للخليج ويمنح إيران اليد العليا في إدارة الممر المائي الأهم عالميًا لتصدير الطاقة.
أما في لبنان، فإن التنصيص في البند الأول على الجبهة اللبنانية كطرف رئيسي في معادلة وقف إطلاق النار المشمول بالرعاية الدولية، يثبت حزب الله كقوة عسكرية وسياسية وازنة ومقررة في السلم والحرب، ويجهض أي محاولة داخلية أو خارجية لنزع سلاحه أو إخضاعه لسيادة الدولة الدستورية، ليصبح شريكًا فوق-دستوري برعاية أمريكية وإيرانية مشتركة.
بالتأكيد، يحتوي الاتفاق على إيجابيات تكتيكية فنية لا يمكن إنكارها من زاوية تسكين الصراعات، مثل حقن الدماء ووقف نزيف الاستنزاف البشري والمادي على الجبهات المتعددة التي أنهكت شعوب المنطقة.
كما أن إعادة فتح الممرات المائية كمضيق هرمز وإزالة الألغام البحرية والعوائق العسكرية يسهم في خفض تكاليف الشحن والتأمين الدولي، ويؤمن سلاسل الإمداد للاقتصاد العالمي ويمنع تفاقم الأزمات الاقتصادية المعيشية الناتجة عن الحروب المفتوحة.
لكن هذه المكاسب الآنية والتكتيكية تظل متواضعة وعاجزة أمام العيوب البنيوية والمخاطر الاستراتيجية الناتجة عن ترحيل الأزمات بدلًا من حلها جذريًا.
إن تحصين النظام الإيراني بموجب البند الثاني الذي ينص على "احترام السيادة والامتناع عن التدخل في الشؤون الداخلية" يمنحه غطاءً قانونيًا دوليًا لترتيب بيته الداخلي وقمع معارضيه دون خشية من ضغوط خارجية، وهو ما يفسر حالة الاستياء العارم لدى المعارضة الإيرانية التي ترى في التفاهم خذلانًا دوليًا لقضيتها.
كما أن سحب القوات الأمريكية من محيط إيران خلال ثلاثين يومًا من الاتفاق النهائي يخلي الساحة تمامًا لتوغل النفوذ الإيراني دون رادع عسكري مباشر على الأرض.
في المحصلة، يتضح من تفكيك هذه البنود الـ14 ومقارنتها بالقراءات السياسية والقانونية أننا لسنا أمام وثيقة استسلام إيرانية كما يحاول ترامب تسويقه للناخب الأمريكي، بل نحن أمام صياغة براغماتية لشرق أوسط جديد تتراجع فيه الاندفاعة العسكرية الإسرائيلية للسيطرة على المنطقة، لتفسح المجال أمام كارتيلات الاقتصاد ونفوذ المليشيات المسلحة.
لقد اشترت الإدارة الأمريكية هدوءًا مؤقتًا وحماية لممراتها الملاحية ومكاسب سياسية سريعة، لكنها فعلت ذلك عبر التضحية بـ"الدولة الوطنية" وبحلفائها التقليديين في المنطقة.
خرجت طهران من هذه الجولة محملة بمليارات الدولارات، وبحماية قانونية لكيانها السياسي وأذرعها العسكرية، وبحق حصري متفق عليه لمناقشة احتياجاتها النووية مستقبلًا.
وجاء البند الرابع عشر ليختم المشهد بمأسسة هذا النفوذ، عبر النص على اعتماد الاتفاق النهائي بموجب قرار ملزم يصدر عن مجلس الأمن الدولي، لإضفاء شرعية أممية قطعية على هذه التسوية المجحفة.
إن الجعجعة الإعلامية والخطابات الحماسية الموجهة للاستهلاك المحلي لا يمكنها حجب الحقيقة الساطعة التي تقرأ في سطور هذه المذكرة: لقد انتصرت البراغماتية الإيرانية الصبورة، وأضحت المليشيات الطائفية في العراق واليمن ولبنان شريكًا أصيلًا وشرعيًا في صياغة مستقبل المنطقة وإدارة ملفاتها الحيوية تحت رعاية ومباركة أمريكية.