لا لاستبدال مشاعل الحجرية ببيادات القبائل..!
ما شهدته منطقة العين بمديرية المواسط، جنوب محافظة تعز، يوم الخميس الماضي الموافق 30 يوليو، لم يكن مجرد هفوة تنظيمية عفوية، بل كان سقطة مدوية في عمق الوعي الجمهوري، وتزويراً فجّاً لهوية أرضٍ لم تعرف طوال تاريخها سوى لغة القلم، ومصابيح التنوير، وهدير المدارس، لا صرير القيود.
لقد خرجت حشود رافعةً فوق هاماتها يافطةً مسمومة وعبارةً منكوبة تُدعى: (قبائل الحجرية).
وصحيح أن الغلاف المعلن للفعالية كان التأييد الكامل لقرارات مجلس القيادة، وإسناد معركة الخلاص الوطني ضد الانقلاب السلالي، وهو هدف نبيل نقف خلفه بدمائنا وتضحياتنا التي لا ترقى إليها الشكوك.
غير أن هذا التسليم بالغاية الوطنية السامية لا يمكن أن يكون غطاءً لتمرير سموم التجهيل، ولا مبرراً للقفز على ثوابت الوعي الجمهوري.
من هنا يبرز الفارق الحاسم بين الأهداف الوطنية والشعارات المسمومة؛ لنقف بحزم لا يلين أمام لوثة العصبية المقيتة، ومحاولات إدخال البلاد في نفق مظلم جديد، عنوانه إلغاء تراث الحجرية المدني، وتطبيعها بطابع القبيلة الاستلابي القائم اليوم، وكأن الغرض هو الوصول إلى حالة من التشفي بتعز، والحجرية تحديداً، خلاصتها: (أخيراً... تِقَبْيَلَت الحجرية!).
فأن تُوسم الحجرية – رمز العقل، وأيقونة المدنية، ومحراب الفكر – بصفة (القبيلة)، فهذه ليست زلة لسان عابرة يمكن تمريرها بسذاجة، بل هي طعنٌ مبيت في ظهر تاريخ كامل من النضال المدني والوعي المبكر.
إن من صاغوا هذا الشعار، ومن خطّوه على تلك الرقعة، يدركون تماماً حجم الجريمة التي يرتكبونها بحق التاريخ والمستقبل؛ جريمة طمس المعالم الحضارية لمنطقة صاغت وعي أجيال بأكملها.
وإلا، فلماذا لم يكتبوه بصيغة الأحرار: (أبناء الحجرية)، ليصبح الشعار: (الوقفة المسلحة لأبناء الحجرية الأحرار)، بدلاً من جرّها نحو مسخ القبيلة وإخضاعها لأعراف البداوة المستبدة؟
إن شعار (الوقفة المسلحة لقبائل الحجرية)، عندما رأيته في الصور والفيديوهات، بدا وكأنه شيء نشاز... شيء غير مألوف في الحجرية، خاصة أننا منذ نعومة أظافرنا تربينا على أن الحجرية قد تخلصت من هيمنة المشائخ والعُقّال، وزادت كراهيتنا للقبيلة على نحو كبير بعد السقوط المدوي لها أمام عودة السلالية الإمامية إلى اليمن، بل إنها كانت أكبر منجم يدعمها في الانقلاب على الثورة والجمهورية، وعلى مساعينا في الذهاب إلى تأسيس الدولة الاتحادية.
إن القبيلة اليوم – ومنذ أزمان الاستعباد الإمامي وحتى لحظة الهيمنة الحوثية المعاصرة – لم تعد سوى أطلال لذل وعار، وجثث متوسدة بيادات السلالة، وعجائز خنوع لا تحرك ساكناً أمام جلاديها.
فأي عقل سقيم هذا الذي يستدعي ثقافة البداوة وقانون الغاب من تحت رماد الهزائم المتلاحقة، ليطرحها شعاراً يرفرف فوق هامات أبناء المواسط والحجرية، وهم الذين صاغوا ملاحم المجد والرفض المطلق لكل أشكال التمييز والكهنوت؟
إننا اليوم أمام كارثة حقيقية تتمثل في محاولات محمومة لإعادة تدوير مخلفات الماضي، وكأن هناك من يزعجه أن تظل هذه المنطقة طاهرة من رجس العصبيات وموبقات الانغلاق الفكري والمناطقي.
فكم تجرع أبناء تعز الأحرار من مرارات عصبيات القبيلة وقذارة ثأراتها عبر القرون، التي أكلت الأخضر واليابس، وحرمت الوطن من استقرار حقيقي؟
وكم دفعنا من أثمان باهظة لنغسل عار العبث المناطقي والقبلي الذي مزق نسيج المجتمع، وأعاق مسيرة التحرر والعدالة؟
ثم تخرج علينا زمرة مأفونة لترفع رايات العودة إلى الوراء والقبيلة، من معقل الثقافة ومهد الفكر والحرية!
هذا ليس مجرد خطأ يمكن احتواؤه ببيانات التبرير الباردة التي لا تسمن ولا تغني من جوع، بل هو انحراف خطير، ومؤامرة واضحة المعالم، تقودها أدوات رخيصة لتدمير آخر معاقل المدنية اليمنية.
إننا لا نعترض على إسقاط الانقلاب، ولا على استعادة الدولة المنشودة، بل إننا جذور تلك المعركة الحقيقية، وصناع ألقها على هذه الأرض الطاهرة.
وإذا افترضنا أن ما حدث لم يكن متعمداً، وإنما مسايرةً للموجة التي تشهدها محافظة الجوف من نفير القبائل، الذي لا يزيد على كونه مجرد نكف قبلي شكلي، لا نعرف حتى اللحظة له أي نتائج على الأرض تصب في صالح استعادة الدولة وعاصمتها المحتلة.
نعم، إن كان ما حدث عفوياً أيضاً، فإننا نرفضه قلباً وقالباً، لأنه يجهل التضحيات الجسيمة التي قدمتها الحجرية على مدى ثمانية عقود، من تشرد أجدادنا في المنافي وخلف البحار هرباً من أجرة العكفي (القبلي)، ومن قوافل الشهداء، والتاريخ النضالي الكبير، في سبيل بناء دولة مدنية مؤسسية حديثة.
إننا نرفض – بقطع تام، ودون أدنى مداراة أو مهادنة – أن تُختزل تعز والحجرية إلى مجرد توابع وملاحق لأعراف البداوة ومليشيات التخلف المقيتة.
إن الإصرار المريب على تمرير هذا الوصف والدفاع عنه هو إقرار وقح برغبة دنيئة في تركيع تعز، وإبقائها ذليلة مقيدة بأغلال التبعية، لا قائدةً للتحولات الكبرى في تاريخ اليمن.
فلتخرس الأقلام التي تبرر لهذا السقوط المخزي، وليعلم كل عابث أن الحجرية أكبر من أن تُدجَّن، وأعظم من أن تُباع في سوق مناخيس العصبيات والقبائل الرخيصة... مهما اشتدت المؤامرات!