قلب العالم الذي يتضور أهله جوعًا وتهميشًا .. باب المندب .. مفارقة الذهب والرماد (الحلقة الأولى)

منذ ساعتين
مشاركة الخبر:

على بعد أمتار قليلة من مياه باب المندب، حيث تتسابق أضخم ناقلات النفط وحاويات التجارة الدولية لعبور أحد أهم الممرات المائية في العالم، يعيش مواطنون يكتفون بمراقبة "ثروة العالم" وهي تنساب أمام أعينهم، دون أن تترك في ديارهم أثرًا لعمارة حديثة، أو بريق مؤسسة حكومية، أو حتى طمأنينة مستشفى. بينما يتصدر "مضيق الدموع" عناوين نشرات الأخبار العالمية،

 وتتنافس القوى الكبرى على رسم خرائط النفوذ فوق مياهه، يغرق سكان الساحل في صمت الفقر. هنا، لا تتقاطع طرق التجارة العالمية مع أي مسار للتنمية المحلية؛ فلا وجود لمبانٍ حضارية، ولا أبراج شاهقة، ولا حتى مراكز خدمية تليق بأهمية هذه النقطة الجغرافية. هنا، يغيب المسؤول ويحضر النسيان. فالمواطن في باب المندب لا يعيش في ظل الدولة، بل على هامشها. الصيد... 

صراع البقاء في غياب الوظائف، وانعدام أي رؤية استثمارية تحول الموقع إلى منطقة حرة أو مركز لوجستي عالمي، لم يجد أبناء المنطقة أمامهم سوى البحر، لكنه ليس بحرًا للاستثمار، بل مجرد مصدر للعيش اليومي. يخرج الصيادون في قواربهم المتهالكة، يصارعون الأمواج والظروف، لا ليصطادوا مستقبلًا، بل ليقتاتوا على ما تيسر من رزق بسيط يُباع في سوق يفتقر إلى أدنى معايير التبريد والتنظيم. إنه اقتصاد "اللحظة"، 

حيث يتوقف دخل الأسرة بمجرد أن يقرر البحر "الاستراحة"، ويتحول الفقر من حالة عابرة إلى قدر محتوم. تساؤل برسم الإهمال إن المرارة التي يشعر بها المواطن في باب المندب ليست مجرد ضيق في العيش، بل هي شعور عميق بالغبن. كيف يمكن لبقعة جغرافية تُعد شريانًا للعالم أن تظل محاصرة في بؤرة إهمال حكومي كامل؟ ولماذا يُسمح للسفن بالعبور بسلام، بينما لا يُسمح للتنمية بأن تُبنى على هذا الشاطئ؟ 

إن باب المندب اليوم ليس مجرد ممر مائي، بل هو مرآة تكشف عورة الإدارة التنموية في البلاد. فنحن لا نتحدث عن منطقة نائية في الصحراء، بل عن قلب العالم الذي يتضور أهله جوعًا وتهميشًا. إلى متى سيظل أهل هذه البوابة حراسًا للماء، غارقين في ظمأ الخدمات؟ هذا ما سنكشفه في الحلقة القادمة.