من أين أنت؟ .. ​حينما تسبق الهويةُ الكفاءةَ في أروقة التوظيف ..

من أين أنت؟ .. ​حينما تسبق الهويةُ الكفاءةَ في أروقة التوظيف ..
مشاركة الخبر:

​في دهاليز المؤسسات العامة والخاصة، ثمة سؤال يتردد في المقابلات الوظيفية لا علاقة له بالمؤهلات العلمية ولا بالمهارات المهنية، سؤالٌ يذبح الطموح بدم بارد: "من أين أنت؟". في بيئة عملٍ تآكلت فيها معايير الاستحقاق، تحولت "الهوية الجغرافية" و"الانتساب المناطقي" إلى جواز سفر حصري للعبور نحو الوظيفة، بينما حُبست الكفاءات خلف أسوار التهميش. 

إن هذا التحقيق لا يسلط الضوء على مجرد مشكلة إدارية، بل على "مجزرة تعليمية" تقتل دافعية الشباب وتدفعهم نحو الهجرة أو اليأس، مُرسخةً بذلك نظاماً طبقياً جديداً يُقصي العقول ويُقدم الولاءات على الإنجازات، مما ينذر بانهيار هيكلي في جودة الخدمات العامة والإنتاجية الوطنية.

​المهندس سامي عبدالله - باحث عن عمل قال: "تخرجت بتفوق، وكنت أحمل في جعبتي مشاريع ابتكارية لإصلاح شبكات البنية التحتية، ولكن في كل مرة أصل فيها إلى المرحلة النهائية من المقابلات، كان السؤال يتغير من 'ماذا تستطيع أن تقدم؟' إلى 'من هي منطقتك؟'.

 لقد حضرتُ مقابلاتٍ كان فيها التقييم يتم بناءً على تقارب اللهجة أو صلة القرابة بالمسؤول عن التوظيف. شعرت حينها أن سنوات دراستي ومثابرتي في المختبرات لم تكن سوى أوراق لا قيمة لها في سوق تعيش على المحسوبيات. اليوم، أعمل في مهنة بعيدة تماماً عن تخصصي، لا لشيء إلا لأنني لا أملك 'الواسطة' التي تفتح لي الأبواب الموصدة. لقد تحول الحلم الذي رسمته لسنوات إلى كابوس يومي، وأصبحت أنظر إلى زملائي الذين حصلوا على وظائفهم بالقرابة وهم أقل مني كفاءة، وأتساءل دائماً بمرارة: هل العلم في بلادي عقوبة؟ وهل أصبح التميز الأكاديمي تهمةً تُبعدني عن حقٍ مشروع في العمل والإنتاج؟"

هكذا تضيع الأمانة الطبية
​2. الدكتورة مريم علي - طبيبة خريجة بامتياز تقول: "المؤلم ليس أن تُرفض، بل أن تُرفض لصالح من هو أقل منك علماً وممارسة. تقدمت لشغل وظيفة في أحد المستشفيات الحكومية، وكنت أستوفي كل الشروط، ولكن النتيجة حُسمت قبل أن تبدأ المقابلة لصالح ابنة أحد المسؤولين التي لم تكن تمتلك حتى نصف خبرتي. في القطاع الصحي، التوظيف القائم على الهوية يعني موت المرضى ببطء؛ فالمحسوبية لا تكتفي بظلم الخريج، بل تمتد لتظلم المجتمع بأسره عبر توظيف غير المؤهلين. لقد رأيتُ بأم عيني كيف يتم تقزيم مهاراتنا لصالح الولاء، وكيف تُقبر الكفاءات في حين يُصعد الفاشلون إلى واجهة الإدارة. إنني أعيش حالة من الاغتراب داخل وطني، وأشعر أن الشهادة التي أحملها أصبحت قيداً يذكرني كل يوم بالفرص التي سُلبت مني، فكلما دخلت ردهات المستشفى، أرى كيف تضيع الأمانة الطبية تحت وطأة الانتماءات الضيقة.

​المحسوبية خيانة عظمى لمستقبل الأجيال
الأستاذ خالد منصور - مدير موارد بشرية سابق قال:"طوال سنوات عملي في الموارد البشرية، كنت أعاني من ضغوطات غير مسبوقة تفرض عليَّ تعيين أسماء معينة بناءً على توجيهات عليا لا تعترف بالمعايير المهنية. كنت أرى السير الذاتية المتميزة تُلقى في سلة المهملات، بينما تُفتح الأبواب لمن لا يملك إلا 'الاسم' و'القبيلة'. أخبروني صراحة أن الكفاءة هي 'السمع والطاعة' والولاء للمكان الذي تأتي منه. لقد أدى هذا النهج إلى تحويل مؤسساتنا إلى هياكل متهالكة لا تقدم خدمة، لأن من وضعوا فيها لم يأتوا ليخدموا، بل ليأخذوا. حاولت مراراً مقاومة هذا التيار، لكنني وجدت نفسي في النهاية خارج أسوار العمل، لأنني رفضت أن أكون أداةً في عملية تدمير الكفاءات الوطنية. إن المحسوبية ليست خطأً إدارياً، بل هي خيانة عظمى لمستقبل الأجيال، فقد تحولت المكاتب التي كان يجب أن تكون مراكز إشعاع إلى مراكز استقطاب مناطقي".

كيف تطور مهاراتي ليس المهم.. الأهم من أين منطقتي
​ الشابة سارة نبيل - خريجة تقنية معلومات قالت:"أيقنتُ أنني لن أحصل على فرصة عمل عادلة بعد أن خضت تجربة مؤلمة في إحدى الشركات ؛ حيث سُئلت عن منطقتي ومرجعيتي القبلية أكثر مما سُئلت عن لغات البرمجة التي أتقنها. في تلك اللحظة، أدركت أن التمييز الجغرافي هو العائق الأكبر الذي يواجه جيلي. نحن لا ننافس في سوق عمل شريف، نحن ننافس في ميدان سباق خيول نعرف فيه سلفاً من الذي سيفوز لأن خيوله محصنة. إن هذا الواقع يجعل الشباب يعيشون حالة من الإحباط الجماعي، حيث أصبح الهاجس ليس 'كيف أطور مهاراتي؟' بل 'كيف انتمي الى قبيلة فلان وفلان '. إنني أفكر جدياً في مغادرة البلاد، ليس حباً في الغربة، بل بحثاً عن أرض تحترم عقلي وتجعلني أتنافس بناءً على ما في رأسي، لا بناءً على اسم قريتي أو عائلتي، فهذا الوطن أصبح يضيق بكل من يرفض أن يكون مجرد تابع."

​الانتماء المنطقتين اهم من أكبر الشهادات 
الشاب عمار سعيد - إعلامي ومبرمج قال:"تقدمت للعمل في واحدة من  المؤسسات الإعلامية الرقمية التي تدعي الحداثة والتطور. خضعت لاختبارات تقنية دقيقة في البرمجة وتصميم المحتوى، وكانت نتائجي تتفوق بمراحل ضوئية على كل المتقدمين، بل إنني كنت أمتلك أفكاراً برمجية قادرة على تطوير منصتهم بشكل جذري. لكن، وبمجرد وصولي للمقابلة الشخصية النهائية، انقلبت الموازين بمجرد سؤالي عن مسقط رأسي. حينما أجبت بصدق، تغيرت نبرة المسؤول ولم يدم اللقاء سوى دقيقتين. لاحقاً، اكتشفت أن الوظيفة كانت محجوزة سلفاً لأشخاص لا يملكون عُشر خبرتي، فقط لأنهم ينتمون لمنطقتين بعينهما (يافع أو الضالع). شعرت حينها بالحنق؛ كيف يُهدم طموح تقني محترف بقرار مناطقي؟ أدركت أن إمكانياتي التي صقلتها ليالي السهر والتعلم الذاتي لا تساوي شيئاً أمام 'جواز المرور' الجغرافي. إن هذا النوع من الإقصاء هو جريمة بحق التقدم التكنولوجي، ويحول المؤسسات إلى 'جزر معزولة' ترفض التطور من أجل الحفاظ على توازنات مناطقية ضيقة ومقيتة، مما يجعلنا كشباب مبدع نشعر أننا غرباء في مؤسساتنا الوطنية".

نحتاج إلى ثورة إدارية تقتلع الجذور الفاسدة 
​الأستاذ يوسف عبده - خبير تربوي ومحاضر جامعي قال: 
"ما يحدث في أروقة التوظيف هو انعكاس لأزمة قيم في النظام التعليمي والإداري، حيث لم تعد القدوة الحسنة هي المقياس. الطلاب الذين يراقبون المشهد يرون أن الوصول إلى الوظيفة لا يمر عبر التفوق الدراسي، بل عبر قنوات الانتماء والمحسوبية. هذا يخلق جيلاً يائساً ومُحبطاً، فاقداً للإيمان بجدوى التعليم. إننا أمام عملية تدمير ذاتي منظمة؛ فعندما تسيطر الهوية على معايير التوظيف، فإننا نحكم على المؤسسات بالجمود وعلى الدولة بالضعف. لا يمكن لأي نهضة أن تقوم على أنقاض الكفاءات المهجورة. إننا بحاجة إلى ثورة إدارية تقتلع هذه الجذور الفاسدة وتستبدلها بنظام شفاف يضع الكفاءة فوق كل اعتبار، وإلا فإن القادم سيكون جيلاً من الأميين المتعلمين الذين لا يملكون إلا الولاء لمن منحهم الوظيفة بلا استحقاق، وهذا هو الخطر الأكبر الذي يهدد استمرارية الدولة ومؤسساتها."

​الختام: 
​ظاهرة "التوظيف بالهوية" ليست مجرد خلل إجرائي، بل هي معول هدمٍ يضرب في صميم البنيان الاجتماعي والوطني. عندما يتحول سؤال "من أين أنت؟" إلى معيارٍ أوحد يتجاوز مؤهلات الشباب، فنحن لا نغلق الأبواب أمامهم فحسب، بل نغلق نوافذ المستقبل أمام الوطن بأكمله. إن استمرار هذا النهج يعني أننا نصنع طبقة من "المسؤولين غير المؤهلين" الذين سيقودوننا إلى مزيد من الفشل المؤسسي. إننا بحاجة ماسة إلى ميثاق شرف إداري يقدس الكفاءة، ويُجرم المحسوبية، ويعيد للشهادة قيمتها وللشباب كرامتهم. فهل سيهبُّ الضمير الجمعي لإنقاذ ما تبقى من فرصٍ للعدالة، أم سنظل أسرى لأسئلةٍ لا تطلب معرفة العقل، بل تطلب استرضاء الجغرافيا والقبيلة؟ إن بقاء هذا التحقيق حبيس الأوراق دون حراكٍ فعلي يعني أننا نقرُّ ضمنياً بأن الكفاءة لم تعد لها قيمة في سوقٍ باتت بضاعته الوحيدة هي الولاءات والمناطقية.