قنبلة ترامب: لماذا كادت "أنقرة السنية" تنخرط في الحرب دفاعاً عن "طهران الشيعية"؟
فجّر الرئيس الأمريكي دونالد ترامب قنبلة سياسية من العيار الثقيل بحديثه الصادم عن كواليس الصراع العسكري الأخير مع إيران، كاشفاً أن تركيا كانت قاب قوسين أو أدنى من الانخراط العسكري المباشر في الحرب إلى جانب طهران ،هذا الكشف المتأخر يعيد تفكيك المشهد الشرق أوسطي، ويطرح السؤال الجوهري والمحير: كيف لنظام رجب طيب أردوغان، بمرجعيته السنية وجذوره الإخوانية، أن يتهيأ عسكرياً للدفاع عن نظام الملالي الشيعي في طهران، بل ويستميت سياسياً لمنع أي ضربة أمريكية إسرائيلية موجهة إليه؟
تصريحات ترامب جاءت واضحة ومباشرة؛ إذ أكد أن الرئيس التركي كان "مرشحاً رئيسياً للدخول إلى جانب صف إيران؛ لأنه ليس من معجبي إسرائيل هذا الاعتراف يثبت أن الحسابات العسكرية التركية تجاوزت الخطوط الحمراء التقليدية لحلف شمال الأطلسي (الناتو). ورغم أن ترامب أشار إلى أنه تدخل شخصياً لطلب بقاء أنقرة خارج المواجهة، ورغم تلميحاته اللاحقة بإمكانية حلحلة أزمة مقاتلات F-35 وإمداد أنقرة بها تودداً لثقلها العسكري، فإن السؤال يظل قائماً حول ما هي دوافع أردوغان الاستراتيجية؟
- براغماتية "العثمانية الجديدة": المصلحة فوق الأيديولوجيا
تثبت الدبلوماسية التركية مجدداً أن البراغماتية الصارمة هي المحرك الفعلي لسياساتها، بعيداً عن الشعارات الطائفية التي تستخدم للحشد الداخلي فقط. تلتقي أنقرة وطهران في شبكة معقدة من المصالح الحيوية.
* الملف الكردي المشترك يمثل هاجس قيام كيان كردي مستقل على حدود تركيا الجنوبية خطراً وجودياً تتقاسمه مع إيران، مما يجبر الدولتين على التنسيق الأمني المستمر لقمع الطموحات الانفصالية الكردية في العراق وسوريا.
* شريان الحياة الاقتصادي ،تعد إيران مصدراً رئيسياً للطاقة بالنسبة لتركيا، وفي المقابل، تمثل أنقرة الرئة الاقتصادية والبوابة الخلفية لطهران للالتفاف على العقوبات الغربية عبر التبادل التجاري الضخم.
* رفض الهيمنة الغربية المطلقة ،يرى حزب العدالة والتنمية أن سحق النظام الإيراني يعني حصاراً أمريكياً إسرائيلياً كاملاً للمنطقة، وهو ما سيفرغ مشروع أردوغان "العثماني الجديد" من هوامش المناورة الإقليمية.
(ما وراء الاستماتة التركية لمنع "الزلزال"؟؟)
في كلمته أمام نواب حزبه الحاكم تعليقاً على مشهد المواجهة، لم يخفِ الرئيس التركي رجب طيب أردوغان خطورة الموقف قائلًا: "إن الأمور في المنطقة كادت خلال الحرب أن تودي بالمنطقة إلى الهاوية". وفي تصريح آخر يعكس هذا المنظور حذر أردوغان من أن "نيران الحرب تنتشر في المنطقة، وتركيا مستعدة لكل السيناريوهات"، معتبراً الهجمات الإسرائيلية بمثابة "إرهاب دولة".
هذا القلق التركي لم يكن مجرد تعاطف دبلوماسي، بل نابع من مخاوف جيوسياسية مرعبة:
1. تجنب الفوضى على الحدود: أي انهيار عسكري لطهران يعني موجات لجوء ملايينية جديدة من الشرق نحو تركيا، وفوضى أمنية عارمة لا تستطيع أنقرة تحملها.
2. الحفاظ على التوازن: تدرك أنقرة أن غياب إيران سيفسح المجال لتسيّد إسرائيلي مطلق على "الشرق الأوسط الجديد"، وهو ما يهدد نفوذ تركيا بشكل مباشر.
(لغز الـ F-35: لماذا تخشى واشنطن "التقلبات التركية"؟).
تأتي أزمة رفض الإدارة الأمريكية بيع طائرات الجيل الخامس (F-35) لأنقرة كترجمة فعلية لعدم ثقة واشنطن في تقلبات أردوغان السياسية. فرغم التطمينات المتبادلةوعبارات الغزل بين ترامب وأردوغان، ينظر صانع القرار الأمريكي بريبة شديدة للعب تركيا على الحبال؛ فمن شراء منظومة الدفاع الروسية S-400 إلى التلويح بالانخراط عسكرياً دفاعاً عن إيران، أثبتت تركيا أنها حليف "غير قابل للتنبؤ" بمواقفه، مما جعل واشنطن تخشى تسرب تكنولوجيا طائراتها المتطورة أو استخدامها خارج عباءة حلف الناتو.
( سوريا... وصراع النفوذ فوق الرماد المتحرك).
رغم التموضع الأمني والاستراتيجي الذي حققته تركيا في الشمال السوري، ورغم التغيرات الجذرية الأخيرة في دمشق، أثبتت أنقرة وطهران براعة فائقة في لعبة "إدارة الصراع". فالجمهورية الإسلامية هي المنافس الشرس لتركيا على قيادة الإقليم، لكن أردوغان يفضل "منافساً تاريخياً يقرأ قواعد اللعبة المشتركة"، على أن يواجه المجهول إذا ما سقطت طهران واستُبدلت بنفوذ أمريكي إسرائيلي مباشر يحاصر حدوده الشرقية والغربية معاً.
ختاما اني اعتقد جازما
إن حديث ترامب عن جهوزية تركيا لدخول الحرب لدعم إيران يسقط أقنعة الخلافات الطائفية المصطنعة في السياسة الدولية، ويكشف أن الجغرافيا السياسية والمصالح القومية العليا هي الدين الحقيقي للدول. لقد أثبتت "العثمانية الجديدة" بقيادة أردوغان أنها لا تبني تحالفاتها على نصوص العقيدة، بل على موازين القوى؛ فالدفاع التركي عن طهران لم يكن يوماً حباً في "ولاية الفقيه"، بل هو دفاع عن حجر زاوية يمنع انهيار سقف المنطقة فوق رأس الجميع. وفي شرق أوسط يعاد رسم خارطته بالدم والتنازلات، ستبقى أنقرة تلعب أخطر أدوارها في السير على حبال التناقضات المشدودة، ومستعدة للتحالف مع الخصم التاريخي، فقط لحجز مقعدها كقوة عظمى لا يمكن تجاوزها في صياغة المستقبل.