عائشة الحرة،المفترى عليها في أسطورة "البكاء" الإسبانية

منذ ساعة
مشاركة الخبر:

منذ سنوات وانا افكر في تفنيد حكاية الاسبان عن عائشة الحرة لعدم اقتناعي بمنطقيتها  وصدقيتها 
ففي زمنٍ تُعاد فيه صياغة السرديات التاريخية، وتُفكك فيه أساطير المنتصرين بفضل أدوات النقد العلمي، يبرز تاريخ الأندلس كأحد أكثر الحقول تعرضاً للتزييف السياسي. ورغم مرور القرون، لا تزال الذاكرة العربية تنزف كلما ترددت العبارة الشهيرة المنسوبة لعائشة الحرة، والدة آخر ملوك غرناطة أبي عبد الله الصغير:     "ابكِ مثل النساء ملكاً مضاعاً لم تحافظ عليه مثل الرجال".                        

 لكن الحقيقة الموثقة بالمنطق والتاريخ تكشف أن هذه المقولة ليست سوى "فبركة فنية" صيغت بدقة في مطابخ البروباغندا القشتالية، لطمس عبقرية امرأة قادت دولة، وتشويه قائد آثر حقن دماء شعبه.
فكيف لأمراة صانعة الملوك ان تقرّع  ملكاً هي من أسست عرشه؟
فلم تكن عائشة الحرة مجرد أمٍّ عاطفية تراقب الأحداث من وراء مشربيات قصر الحمراء، بل كانت المهندسة السياسية الأولى في اللحظات الأخيرة لدولة الإسلام في الأندلس قادت عائشة انقلاباً حقيقياً ضد زوجها السلطان (مولاي أبي الحسن) عندما انحرف بالدولة وتزوج من جارية إسبانية هددت مستقبل العرش المسلم، واستطاعت بدهائها والتفاف الشعب والجيش حول ابنها أبي عبد الله لإنقاذ ما يمكن إنقاذه.
فمن منظور علم النفس السياسي، من المستحيل لامرأة تملك هذا الحجم من الصلابة والدبلوماسية العسكرية أن تقف في لحظة انكسار لتلقي خطبة إنشائية تدمّر ما تبقى من كبرياء ابنها وشعبها.      

 كانت عائشة شريكة في مجلس الحرب، وتدرك تماماً أن معاهدة تسليم غرناطة المكونة من 67 شرطاً كانت قراراً استراتيجياً عاقلاً اتخذه الأعيان والعلماء لحماية عقيدة وأموال وحرية مئات الآلاف من المسلمين بعد حصار خانق أكل الأخضر واليابس، ولم يكن هروباً مخزياً يستدعي التوبيخ.
" القرن السادس عشر  وكيف طبخت البروباغندا الإسبانية الأسطورة؟
إن المتتبع لجذور هذه الفرية يجد أن أول من خطّها هو الأسقف الإسباني "أنتونيو دي غيفارا" في كتاباته خلال القرن السادس عشر. و"غيفارا" معروف في الأوساط الأكاديمية بنقله للحكايات الشفهية والقصص الأسطورية دون أي تحقيق، تملقاً للبلاط الملكي الكاثوليكي. في المقابل، خلت وثائق ومذكرات معاصري السقوط من المسلمين (مثل ابن الأزرق أو شهود العيان) من أي إشارة لهذه المشادة، بل تحدثت بأدب جم عن إجلال أبي عبد الله لوالدته وطاعته المستمرة لها.
لقد سعت البروباغندا القشتالية من خلال هذه القصة إلى ضرب عصفورين بحجر واحد؛ أولاً: شيطنة المهزوم وتصويره في صورة "الباكي الضعيف" لإضفاء شرعية مطلقة على سحقه، وثانياً: إسقاط تعبير ذكوري قديم ("البكاء كالنساء") للحط من قدر القادة المسلمين وتجريد المرأة الأندلسية من أمجادها الحقيقية كقائدة سياسية صمدت ضد حصار الملكين "فرناندو" و"إيزابيلا".
( جغرافيا زائفة.. دموع تحت مقص الرقيب القشتالي) 
حتى الجغرافيا تكشف زيف الرواية؛ فالموقع الذي يزعم الإسبان أن الملك بكى فيه، والمعروف اليوم سياحياً باسم "زفرة العربي الأخيرة"، والذي شخصيا انا وقفت عليه وتأكدت بالعين المجردة انه لا يتيح جغرافياً وبصرياً رؤية قصر الحمراء بوضوح بالشكل الدرامي والرومانسي الذي تصوره الرواية المزعومة. لقد احتاج المنتصر إلى "تراجيديا سينمائية" يختصر فيها عظمة سقوط حضارة دامت ثمانية قرون في مجرد "خناقة عائلية"، ليقول للعالم إن الأندلس سقطت بسبب ضعف قادتها لا بسبب وحشية حروب الاسترداد.

إن الدرس الأكبر الذي نستقيه اليوم من وعي عائشة الحرة هو ضرورة امتلاك "السيادة على الرواية". لقد نجح العدو التاريخي في تحويل إشاعة سياسية رخيصة إلى حقيقة مشوهة داخل الوجدان العربي والإسلامي والانساني لقرون، حتى بات العربي يجلد ذاته التاريخية بلسانِ عدوّه.
عائشة الحرة التي دافعت عن أسوار غرناطة بعقلها ومالها، أكبر بكثير من أن تُختزل في عبارة بروباغندا؛ وآن الأوان أن تُعاد صياغة كبريائها في مناهجنا وإعلامنا، ليس كباكية على الأطلال، بل كآخر قمم الجبال التي تمنّعت في الأندلس.     انتهى المقال.

* المراجع العربية والتوثيقية:
* المقري التلمساني، نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب (يؤكد طاعة أبي عبد الله لوالدته ويخلو تماماً من رواية التوبيخ المزعومة).
  * ابن الأزرق، بدائع السلك في طبائع الملك (دراسة معاصرة عاينت البنية السياسية والاجتماعية لآخر أيام غرناطة).
  * د. محمد عبد الله عنان، دولة الإسلام في الأندلس - العصر الرابع: نهاية الأندلس وتاريخ الموريسكيين (المرجع الأكاديمي الأبرز الذي فكك تفاصيل معاهدة التسليم وجغرافية خروج الملك).
* المراجع الإسبانية والغربية:
* Antonio de Guevara، Epístolas familiares (المصدر الإسباني الأول للقصة، والمعروف تاريخياً بإدراج الحكايات الشفهية والأسطورية دون تمحيص).
  * L. P. Harvey، Islamic Spain, 1250 to 1500 (دراسة بريطانية حديثة تحلل ميزان القوى العسكري وتكشف زيف المبالغات التراجيدية القشتالية).

_
مقال تاريخي وسيكولوجي يفكك أساطير سقوط الأندلس
(عائشة الحرة: المفترى عليها في أسطورة "البكاء" الإسبانية)
يتناول الأكاديمي العراقي البارز  بأسلوب صحفي مشوق وقراءة نقدية لتفنيد الرواية الأكثر شهرة في تاريخ سقوط الأندلس (مقولة: ابكِ مثل النساء ملكاً مضاعاً)، مستنداً إلى أدلة تاريخية ومنطقية جغرافية تفكك البروباغندا القشتالية، مع التركيز على إعادة الاعتبار للشخصية القيادية العظيمة "عائشة الحرة" صانعة الملوك والقرار في غرناطة.
أعتقد أن المقال سيشكل مادة جاذبة جداً للقراء، خاصة في ظل الاهتمام المتزايد بإعادة قراءة السرديات التاريخية من منظور علمي وتفكيك عقدة جلد الذات في الوجدان العربي.