المستشفيات الخاصة: مقابر بمواصفات تجارية .. والتعليم العالي: حين يتحول الموظف إلى جلاد
في اليمن ،اليوم، لم يعد المواطن يخشى تبعات الحرب والنزاع فحسب، بل بات يخوض حربًا يومية من نوعٍ أكثر ضراوة؛ حربًا تدور في أروقة المكاتب الحكومية وغرف العمليات التي تحولت إلى ساحات للاستنزاف المالي. لقد تآكلت هيبة الدولة لصالح هيبة الجباية، وأصبح الفساد ليس مجرد ممارسة عابرة، بل مؤسسة قائمة بذاتها تلتهم ما تبقى من كرامة المواطن.
التعليم العالي: حين يصبح التعليم سلعة للسماسرة
داخل أروقة وزارة التعليم العالي، حيث يُفترض أن تُصنع عقول المستقبل، تُغتال النزاهة في وضح النهار. فقد تحولت الوزارة، بالنسبة لكثير من المراجعين، إلى وكرٍ للمساومة، إذ يُفرض على الطالب أو الموظف دفع مبالغ طائلة تحت مسميات "رسوم إدارية"، ليجد نفسه أمام معادلة قسرية: ادفع 15 ألف ريال لتستلم سندًا بقيمة 5 آلاف فقط، أو واجه ترحيل معاملتك إلى أدراج النسيان.
ولا تكتفي هذه "الهندسة" الممنهجة للابتزاز بمد اليد إلى جيب المواطن، بل تستخدم البيروقراطية سلاحًا لإسكات المعترضين؛ فإما الخضوع لقانون العمولات، وإما ضياع معاملة قد تمثل طوق النجاة الوحيد لمستقبل طالب أو موظف.
مفارقات الخدمة: بين جحيم التعليم ومرارة المنافذ
وفي المقابل، وبينما يتفنن بعض موظفي التعليم العالي في خلق الأزمات، تبرز تجارب المواطنين مع الجوازات والأحوال المدنية كوجه آخر للمشكلة نفسها. ورغم أن بعض مراكز الجوازات تُظهر محاولات لضبط الأداء، فإن المواطن يظل، في جميع الأحوال، الضحية التي تتنقل بين دهاليز المؤسسات. وليس التفاوت في مستوى الخدمة بين مؤسسة وأخرى سوى انعكاس لغياب الرقابة الفاعلة، حيث يتحول الموظف العام من خادمٍ للشعب إلى حاكمٍ بأمره على نافذة المعاملات.
المستشفيات الخاصة: مقابر بمواصفات تجارية
أما المشهد الأكثر قتامة، فهو ما يدور خلف أسوار المستشفيات الخاصة، حيث تحول القسم الطبي إلى عقد إذعان. يدخل المريض محملًا بالأمل وما في جيوبه من مدخرات، ليخرج، في كثير من الحالات، محمولًا على النعش، بعد أن تكون المستشفى قد استنزفت كل ما يملك، دون أدنى اعتبار لكرامة الإنسان أو قدسية الحياة.
ويشير الواقع المرير إلى تغولٍ طبي غير مسبوق، يُعامل فيه المريض بوصفه رقمًا في فاتورة، لا روحًا أُودعت أمانة في أعناق القائمين على رعايته. ولم يعد غياب الضمير استثناءً، بل تحول، في كثير من الحالات، إلى ثقافة إدارية تتغذى على غياب الرقابة والمساءلة.
السؤال الكبير: من يوقف هذا الوحش؟
إن الفساد في هذه المؤسسات ليس قدرًا محتومًا، بل نتيجة طبيعية لغياب سلطة القانون والمحاسبة. وإيقاف هذا النزيف يتطلب جملة من الإجراءات، في مقدمتها:
ثورة إدارية تُفعّل الرقابة الإلكترونية، وتقطع الطريق أمام سماسرة السندات والمكاتب المظلمة.
محاسبة قانونية عبر تشكيل لجان تفتيش مستقلة لا تخضع للولاءات السياسية، لكشف الفاسدين في التعليم العالي والمرافق الصحية.
تمكين صوت الضحايا، فلا يمكن اجتثاث الفساد ما لم يتحول المواطن من ضحية صامتة إلى شاهد يوثق ويبلغ، مدعومًا بصحافة استقصائية لا تخشى سلطة الجلاد.
ختامًا، إن بقاء هذه المؤسسات دون رقيب يعني أننا نسير نحو انهيارٍ متسارع في منظومة القيم المجتمعية. فالصمت على مبتزي التعليم وتجار الموت في المستشفيات ليس حيادًا، بل مشاركة في استمرار الجريمة. فهل نشهد صحوة ضمير تعيد الاعتبار للإنسان، أم أننا ننتظر يومًا لا نجد فيه سوى الركام؟