طوفان الموت البديل.. حين تتحول أوهام الأقصى إلى خنادق للاقتتال الداخلي
تتلاقى الأيديولوجيا المعتمة بالواقع الصادم في زوايا معسكرات التدريب، حيث يبدأ المسار المأساوي لآلاف الشباب الذين جُرفوا بشعارات برّاقة؛ ففي الميادين المغلقة الممتدة عبر مناطق السيطرة، تصدح الأهازيج الشعبية الحماسية لتمزج الشحن العاطفي بالتعليمات الصارمة، بينما تخضع الأيادي الغضة لتدريبات مكثفة على اقتحام المباني، واستهداف الآليات، والتعامل مع أعتى أصناف السلاح.
تعلو التعبئة الفكرية والمحاضرات المصاحبة بنبرة مشبوبة بالانفعال عن نصرة القضية المركزية ومواجهة العدو الخارجي، إيحاءً بأن المحطة القادمة هي الملحمة الكبرى على خطوط القتال الإقليمية، غير أن هذا المخطط المزعوم ينحرف تمامًا بمجرد انتهاء فترة الإعداد؛ إذ تتلاشى العناوين العريضة بسرعة، ليجد هؤلاء الشبان أنفسهم في مواجهة إخوانهم خلف متارس الموت الداخلي في مختلف المحافظات والخطوط الأمامية، متسائلين بمرارة وسرية عن الوعد المقطوع وعن الجغرافيا التي أُخذوا باسمها.
تكشف الشواهد الميدانية المتواترة عن نمط ملتوٍ في منهجية الاستقطاب، حيث يُوظف الحديث عن المقدسات لاستغلال المشاعر القومية والدينية كطُعم حاسم لاستدراج الشبان وتأطيرهم في دورات عسكرية حملت مسميات حماسية تتصل بالمعارك الخارجية، وبعد أسابيع من التأهيل والحديث المتواصل عن المعركة المقتربة، يحين وقت النقل الميداني نحو جبهات التماس المحلية، وعندما تثار التساؤلات والاستفسارات بشأن هذا التغيير المفاجئ، تأتي التبريرات الجاهزة بأن القتال الداخلي ليس سوى خطوة تمهيدية ومرحلة إعدادية واجبة قبل الانتقال إلى الوجهة الكبرى.
ومع استمرار الاستنزاف واتضاح حقيقة الميدان، تحاول أعداد من المجندين الانسحاب وتسليم عدادهم العسكري، ليصطدموا فورًا بسيل من التهديدات المباشرة وتهم الخيانة والعمالة، وهو السيناريو نفسه الذي يكرره العشرات ممن اكتشفوا متأخرًا أن الشعارات العاطفية لم تكن سوى جسر عبور لزجهم في أتون الصراع المحلي ووقودًا لمعارك لا تمت لشعاراتهم بصلة.
تتسع هذه الاستراتيجية لتشمل المديريات والقرى والمناطق الريفية عبر حملات تجنيد مكثفة بمسميات شعبية ودعمية، يُشاع خلالها أن التحرك يهدف للجهاد الخارجي، قبل أن تُساق الحافلات المكتظة بالشبان نحو جبهات قتال يمنية ملتهبة، مما يتسبب في اندلاع احتجاجات واشتباكات داخل المعسكرات انتهت في حالات عدة باعتقالات واسعة وفرار العشرات، بينما تعيش الأسر حالة من الصدمة بعدما كانت تعتقد أن أبناءها التحقوا بأنشطة قومية أو إغاثية.
ولا يتوقف الاستقطاب عند البُعد العاطفي والمظلة الدينية، إذ يمثل العوز الاقتصادي والفقر المتفشي المحرك الأساسي في بلد أنهكته الحرب وانقطعت فيه سبل العيش؛ حيث تتحول الوعود بالمرتبات الشهرية أو السلال الغذائية إلى طوق نجاة ظاهري للأسر المعدمة، ويمتد هذا الاستغلال ليصل إلى الفئات الأكثر هشاشة كالمهاجرين والوافدين المنهكين اقتصاديًا، الذين يتم انتزاعهم من واقعهم البائس ليزق بهم في خطوط النار دون علم ذويهم بطبيعة رحلتهم القاتلة.
على صعيد التعبئة النفسية، يلعب الشحن الصوتي والموروث الشعبي دور العصب المحفز والمستمر، حيث تحول هذا الموروث إلى أداة توجيه صلبة تلاحق المجند من مقر التدريب إلى وسيلة النقل ووصولًا إلى خنادق المواجهة، بهدف إعادة تشكيل الوعي الجمعي وإرساء فكرة الموت باعتبارها المعيار الوحيد للبطولة والجاه، بينما يُصوَّر التراجع أو التفكير كخيانة ومذلة لا تغتفر.
تكتمل هذه الدائرة المغلقة عندما يعود الشاب في تابوت ملفوف لتقبله أسرته المكلومة التي خرج ابنها بحثًا عن مصدر رزق أو قضية سامية فتلقته محمولًا على الأكتاف، وهنا تبدأ الماكينة الإعلامية والترويجية مرحلة جديدة من التوظيف، فتُرفع الصور في الشوارع، وتُقام مراسم التشييع الحماسية، لتُعاد صياغة قصة الضحية وتسويقها كقصة نجاح نموذجية أمام دفعة جديدة من الشبان الباحثين عن المعنى أو الرغيف، ليتحول التابوت من نهاية مطاف فاجع إلى بداية حكاية تجنيد أخرى لا تتوقف.