لودر ليست للبيع .. "عاصمة بلا ظل" وأصوات تكشفُ خيوطَ اللعبة
في لودر، المدينة التي لا تغفو، يتبادل السكان الأدوار في رواية قصة "المدينة المنسية". هنا، حيث الجغرافيا واسعة والهمة عالية، اصطدم كل شيء بجدارِ الإهمال الحكومي المتعمد. لم تعد المشكلة في "نقص الإمكانيات"، بل في "قرار التهميش". وفي هذا التحقيق، نستنطق خمسة شهود من قلب الحدث، ليوضحوا لنا كيف يُدار الفساد وكيف تضيع حقوق مديرية كان يفترض أن تكون قاطرة للتنمية في أبين.
صوت "التاجر": ضريبة العبث
نحن هنا لا نطالب بامتيازات، نحن نطالب بأدنى مقومات البقاء كمركز تجاري. لودر ترفد الخزينة المركزية بضرائب مهولة، لكن أين العائد؟
إن غياب البنية التحتية يقتل تجارتنا؛ فالطريق الدولي الذي يربطنا بالمناطق الأخرى أصبح مصيدة للمركبات التجارية، مما يرفع تكاليف النقل ويجعل السلعة تصل للمواطن بأسعار جنونية. نحن كقطاع تجاري نشعر بأننا نموّل فساداً لا يخدمنا؛ فالمشاريع التي يُعلن عنها في الإعلام هي مجرد حبر على ورق، أو عمليات ترقيع لا تصمد أمام أول موجة سيول. المسؤولية تقع على عاتق السلطة المحلية التي تكتفي بدور المتفرج، وتسمح للمقاولين المحسوبين عليها بالعبث بمخصصات الرصف والإنارة دون أدنى محاسبة أو رقابة، وكأننا في منطقة بلا قانون.
صوت "المهندس": هيكلُ المشاريع الميتة
كمهندس أتابع مشاريع التنمية في هذه المديرية، أستطيع القول إننا نعيش حالة من النصب المنظم. الميزانيات المعتمدة لمشاريع الطرق وشبكات المياه في لودر منذ العام 2024 وحتى اليوم كافية لإحداث نقلة نوعية لو صُرفت بنزاهة. الخلل يبدأ من 'المناقصات الصورية' التي تُفصل على مقاس مقاولين لا يملكون سوى السجلات التجارية والعلاقات مع أصحاب النفوذ. يتم صرف 30% كدفعة مقدمة، ثم تتوقف المشاريع تحت ذرائع واهية؛ تارةً نقص المخصصات وتارةً الظروف الأمنية، بينما الأموال تتحول إلى استثمارات خاصة لهؤلاء المتنفذين. لا توجد أي جهة هندسية تقوم بالاستلام النهائي أو المحاسبة على المواصفات الفنية، مما جعل من لودر مقبرة للمشاريع المتعثرة التي تبتلع الملايين ولا تنفع الناس.
صوت "المواطن": سُلطةٌ لا تسمع
أنا مواطن يعيش هنا منذ أربعين عاماً، وأقولها بوضوح: لودر مغيبة عمداً. هل يعقل أن مدينة بهذا الحجم السكاني لا تزال تعاني من أزمة مياه خانقة بينما المحطات موجودة والميزانيات موجودة؟ نحن نعيش في دوامة من التهميش الحكومي الذي جعلنا نشعر بأننا لسنا جزءاً من حسابات هذه الدولة. السلطة المحلية في لودر تتعامل مع المديرية كـ 'مزرعة خاصة' وليست كمؤسسة خدمية؛ فالتعيينات في المناصب الخدمية تتم وفق الولاء لا الكفاءة، مما أدى إلى انهيار المؤسسات من الداخل. لا أحد يسألنا عن احتياجاتنا، ولا أحد يحاسب المسؤولين عن هذا العجز.
إن الخلل الكبير يكمن في غياب السلطة الرقابية، فنحن محاصرون بين فساد المكاتب الحكومية التي تعطل مصالحنا، وبين صمت الجهات العليا في المحافظة التي تغض الطرف عن معاناتنا.
صوت "الناشط الحقوقي": فاتورة الصمت
لقد وثقنا أكثر من عشرين حالة لمشاريع خدمية توقفت بعد أن وصلت نسب الإنجاز فيها إلى مراحل متقدمة، وكلها قضايا تنطبق عليها صفات النصب والاحتيال المكتمل الأركان. المشكلة ليست في غياب القانون، بل في غياب الإرادة لتطبيقه؛ فمن يحاسب المقاول الذي هرب بعد أن استلم أموال الشعب؟ ومن يحاسب الموظف الذي سهل له ذلك؟ إن لودر تعاني من 'تواطؤ النخب'؛ حيث تتبادل المصالح بين المسؤول والمقاول، ليبقى المواطن هو الحلقة الأضعف.
نحن نؤكد أن سكوتنا خلال الفترة الماضية قد فُهم خطأً كرضى، لكننا اليوم نطالب بلجنة تحقيق مستقلة وشفافة، تكشف للرأي العام أين ذهبت المليارات المخصصة للبنية التحتية في لودر، فنحن لا نطلب المستحيل، بل نطلب استرداد حقوقنا المهدرة.
صوت "المعلم": ضياع الأجيال
لقد أثر هذا الإهمال الحكومي بشكل مباشر على قطاع التعليم والخدمات الاجتماعية. كيف نطلب من الطالب أن يبدع في مدينة تفتقر لأبسط شبكات الإنترنت أو الكهرباء المستقرة، بينما الأموال التي كان يمكن أن تبني مراكز تقنية ومكتبات عامة تضيع في صفقات مشبوهة بين مقاولين وسماسرة؟
إن الخلل يمتد ليضرب البنية الاجتماعية؛ فحينما يرى الجيل الصاعد أن الحقوق تُسلب أمام أعينهم ولا أحد يُحاسب، ينمو لديهم شعور بالإحباط والعدمية تجاه الدولة.
لودر مدينة ذات عمق تاريخي وحضاري، لكنها اليوم تفتقر لمن يضع مصلحة مواطنيها فوق مصلحة الجيوب. المسؤولية يتحملها كل مسؤول في المديرية لم يقل 'لا' لهذا الفساد، وكل جهة رقابية في المحافظة ظلت تراقب بصمت هذا السقوط الأخلاقي والإداري الذي تعيشه مؤسساتنا.
ختاماً: المحاسبة هي الحل
إن هذه الشهادات ليست مجرد صرخات، بل هي "لائحة اتهام" شعبية ضد واقعٍ متردٍ. الحل لا يكمن في ضخ مزيد من الأموال في ثقوب الفساد السوداء، بل في ثلاث خطوات عملية:
التعاقد الشفاف:
إلغاء كافة العقود المتعثرة وإعادة طرحها في مناقصات علنية أمام الجمهور.
لجان الرقابة الشعبية:
تشكيل لجان من المجتمع المدني تشرف على تنفيذ المشاريع وتوثق سير العمل بالصوت والصورة.
القائمة السوداء:
إعلان أسماء الشركات والمقاولين المتهربين من التنفيذ، وحرمانهم قانونياً من أي تعاملات مستقبلية، مع تحميلهم المسؤولية المالية عن الأضرار.
لودر ليست للبيع، وحق أبنائها في العيش الكريم ليس "منة" من أحد، بل هو استحقاقٌ يوجب على الجميع الإصلاح أو الرحيل.