شبام كوكبان.. قلعة الأحرار التي تلفظ "مليشيا الحوثي"
خلف الأسوار الحجرية التي حمت "شبام كوكبان" من غزاة التاريخ لقرون، تدور اليوم معركة من نوع آخر؛ معركة صامتة لا تستخدم المدافع فحسب، بل تستخدم الجوع، والترهيب، وتفكيك النسيج الاجتماعي.
لم تعد المدينة التاريخية مجرد إرثٍ معماري يتباهى به اليمنيون، بل تحولت إلى ساحة مستباحة لـ "مشرفين" لا يعترفون بقانون ولا يحترمون حقاً، حيث تلاشت مؤسسات الدولة وحلت محلها سطوة "الولاية" التي تلتهم الأخضر واليابس.
إن ما يحدث في شبام هو نموذج حي لحالة "الاغتصاب الممنهج" للمدينة من الداخل، حيث يتم تصفية كل من يعلو صوته بالحق، وتجريف كل ذرة أرض تحت طائلة الجبايات الجائرة والمجهود الحربي. ل
م يعد المواطن في شبام آمناً على رزقه أو عرضه أو تاريخ عائلته، وسط فجوة سحيقة تتسع يوماً بعد يوم بين مجتمع يتوق للحرية، وسلطة ترى في كل ساكنٍ "غنيمة" تنتظر المصادرة، مما جعل المدينة تعيش حالة من الاختناق الذي ينذر بانتفاضة الكرامة التي لا بد أن تأتي.
شهادات من داخل "الخندق
"سالم" (مزارع) قال : "لقد أصبحنا غرباء في حقولنا، حيث يأتي المشرف ليطلب منا المحاصيل بحجة 'دعم الجبهات'، وإذا اعترضنا، يتم التهديد بمصادرة الأرض بالكامل بتهمة 'موالاة العدوان'. لقد أجبرونا على دفع إتاوات فوق طاقتنا، حتى أننا أصبحنا نزرع لنطعمهم لا لنأكل. إن أراضينا التي ورثناها عن أجدادنا أصبحت مهددة بالانتزاع لصالحهم، ونحن اليوم نعيش حالة من الرعب الدائم. مطلبنا الوحيد هو رحيل هؤلاء الغزاة الذين جعلوا من خيرات أرضنا وسيلة لتمويل حروبهم العبثية، ونحن على يقين أن يوم خلاصنا من هذا الجور بات قريباً."
نطالب بتحرير مؤسساتنا التعليمية من سيطرة هذه المليشيا
"فاطمة" (معلمة سابقة) قالت : "لقد دمروا عقول أطفالنا قبل أن يدمروا تعليمنا، فقد عمدوا إلى تغيير المناهج لغسل أدمغة الأجيال بأفكار طائفية دخيلة على مجتمعنا. من ترفض من المعلمات التماهي مع هذا التوجه يتم فصلها فوراً واستبدالها بعناصر موالية لهم لا تحمل أدنى مؤهل تربوي. لقد تحولت مدارسنا إلى مراكز لاستقطاب الطلاب وتجنيدهم قسراً، مما أدى إلى عزوف الكثير من الأهالي عن إرسال أبنائهم للمدارس خوفاً عليهم. إننا نطالب بتحرير مؤسساتنا التعليمية من سيطرة هذه المليشيا، ونحلم بيوم يعود فيه التعليم وسيلة للتنوير لا أداة للتجهيل."
الخلاص من هذا الكابوس هو الأمل الوحيد لنستعيد كرامتنا
"أحمد" (تاجر) يقول: "لا يمكن لأي تاجر في شبام أن يمارس عمله بحرية، فكل بضاعة تدخل المدينة تخضع لجبايات إضافية عند كل نقطة تفتيش، بالإضافة إلى 'الخُمس' الذي يفرضونه تحت مسميات غير شرعية. وإذا رفضنا الانصياع، يغلقون محلاتنا بتهم جاهزة مثل 'التخابر' أو 'الاحتكار'، مما أدى إلى إفلاس الكثير من التجار الصغار. إنهم لا يريدون للتجارة أن تزدهر، بل يريدوننا فقراء وتابعين لقمة عيشنا بأيديهم. الخلاص من هذا الكابوس هو الأمل الوحيد لنستعيد كرامتنا ونعيش بسلام، ونحن مستعدون لكل تضحية من أجل التحرر من هذا الاستغلال."
نطالب بالعودة إلى دولة النظام والقانون، والانتخابات
"صالح" (وجيه قبلي) قال: "لقد كسروا هيبة العرف القبلي وأهانوا شيوخ المدينة، فبعد أن كان القضاء المستقل والأعراف هي مرجعنا، أصبح المشرف الحوثي هو الخصم والحكم في كل قضية. أي خلاف بين مواطنين يتم حله وفق مصالحهم وأهوائهم، وليس وفق العدالة، مما أدى إلى انتشار الظلم وضياع الحقوق. لقد أذلوا كبارنا وشتتوا شمل قبائلنا لضمان السيطرة، لكنهم نسوا أننا ننتظر الفرصة المناسبة لاستعادة نظامنا وحريتنا. نحن نطالب بالعودة إلى دولة النظام والقانون، والانتخابات هي السبيل الوحيد لاختيار من يمثلنا ويحمي حقوقنا بعيداً عن تسلط هذه العصابة."
فالشباب الذين يحاولون تجنيدهم هم في الحقيقة مشروع ثورة قادمة ضدهم
"عمر" (شاب ناشط) قال : "نحن في شبام نعيش في سجن كبير، لكن جذوة الغضب في صدورنا تزداد اشتعالاً كل يوم. الجميع هنا يتحدثون سراً عن حلم استعادة الدولة والحرية، فالشباب الذين يحاولون تجنيدهم هم في الحقيقة مشروع ثورة قادمة ضدهم. إننا نرفض كل فعالياتهم، ونقاطع كل تحركاتهم، ونعمل على فضح ممارساتهم في كل مكان كجزء من مقاومتنا السلمية. نحن لا نقبل أن نكون وقوداً لحروبهم، ونطالب بحقنا في العيش في ظل دولة حرة ديمقراطية تضمن لنا حقوقنا. فجر الخلاص قريب، وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون."
الخاتمة:
اليوم، وبعد أن استباحت المليشيا كل شبر من أرضنا وانتهكت حرمة بيوتنا وسرقت أقوات أطفالنا، لم يعد في قاموس أهل شبام مكان لـ "دبلوماسية التوسل". إننا لا نطالب بالرحمة، بل نعلنها صرخة مدوية: إن هذه المدينة، التي كانت مقبرة للغزاة على مر العصور، ستكون نهايتكم الأبدية.
إن "غرباء العصر" الذين جاؤوا من كهوف الجهل ليديروا مدينتنا، عليهم أن يدركوا أن يوم الحساب قد دنا، وأن جذوة الغضب في صدورنا قد تحولت إلى لهبٍ لن ينطفئ إلا بطردهم ذليلين من كل زقاق في قلعتنا. نحن لا ننتظر الخلاص، نحن نصنعه بأيدينا، وكل مشرفٍ يظن أنه يتسلط على رقابنا، سيعرف قريباً أن الأرض التي يقف عليها قد ضاقت به بما رحبت. ارحلوا، قبل أن يلفظكم التاريخ كما لفظ كل خائنٍ وغازٍ، فشبام اليوم ليست مدينة قابلة للكسر، إنها قلعةٌ تُعدُّ عدتها لتنظيف ترابها من دنسكم، ولن يعود الهدوء إلى أسوارنا إلا برحيل آخر جنديٍ من صفوفكم .. هكذا هو لسان كل مواطن من شبام كوكبان.