عنس.. معتقلات مفتوحة .. مليشيا الحوثي تستنزف شباب عنس.. إما في القبور أو في جبهات مجهولة
يبدو أن التاريخ لا يشفع لأصحاب الأرض، فـ"المولى" الجديد لا يقرأ في كتب التراث إلا "دفاتر الجباية"، ولا يرى في وجوه كبار السن إلا مصدرًا لتمويل "عرس جنائزي" لا ينتهي.
تحولت القرى التي كانت تنبض بالحياة إلى معتقلات مفتوحة، حيث يُقتاد الشباب إلى محارق الجبهات كأنهم بضاعة منتهية الصلاحية، وحيث تُنهب الأرض بحجة "الخُمس" أو "المجهود الحربي"، أو أي ذريعة أخرى تُطوِّعها لغة السلاح.
إنهم يمارسون دور "الجلاد" بابتسامة صفراء، ويفرضون الرسوم على كل شيء، ويستبيحون كرامة من بنوا هذه الجبال حجرًا حجرًا.
وسط هذا العبث، يقف أبناء عنس يراقبون الظلم وهو يلتهم أحلامهم، ويبتلعون غصصهم، مدركين أن لكل طغيان نهاية، وأن "المزرعة" التي يظن الغزاة أنها ملكهم ستلفظهم يومًا بفعل تراكمات القهر التي لا ترحم، لتستعيد عنس وجهها الحقيقي، بعيدًا عن أدران من ظنوا أن التاريخ يبدأ بهم، بينما هم مجرد هامش ملوث في صفحات الزمان.
شهادات من قلب المعاناة
المواطن ليس له قرار في أرضه
قال عوض العنسي (مزارع):
"عنس ليست مجرد أرض، بل هي حياتنا وتاريخنا، لكنهم جاؤوا ليحولوها إلى مصدر لتمويل حروبهم العبثية. يأتون إلى المزارع، ويفرضون رسومًا على كل شجرة، وإذا تأخرنا في الدفع هددونا بمصادرة المحصول أو اتهمونا بالخيانة.
لم يعد المواطن يملك قراره في أرضه؛ فالمشرف هو السيد والآمر والناهي، يقرر من يزرع، ومن يبيع، ومن يربح. كبار السن الذين كانوا يحلون المشاكل بالعرف والكلمة الطيبة، أصبحوا اليوم مهمشين، ويُهانون إذا لم يمتثلوا لأوامر هؤلاء الصغار الذين لا يفقهون في الدين ولا في الدنيا، ولا يعرفون سوى لغة الغطرسة والنهب."
شباب في القبور أو في جبهات مجهولة
وقال حميد علي (أب مكلوم):
"فقدت ابني في جبهاتهم بعد أن سحبوه بالقوة من منزله بحجة 'الدورات الثقافية' التي تحولت إلى محارق. لا يتركون بيتًا إلا ويدخلونه بحثًا عن شبابنا، وكأنهم يجمعون الحطب لموقدهم الذي لا يرتوي.
نعيش في رعب يومي؛ فلا نخرج من بيوتنا إلا للضرورة خوفًا من المداهمات أو الاختطاف. الشباب الذين كانوا أملنا في بناء المستقبل، صاروا اليوم إما في القبور أو في الجبهات المجهولة، والبيت الذي كان مليئًا بالحيوية أصبح جدارًا صامتًا يرقب الطرقات، فيما يتقطع القلب على شباب ضاعت أعمارهم في صراعات لا ناقة لنا فيها ولا جمل."
سلبونا الأمان وسرقوا لقمة عيش أطفالنا
وقالت سارة عبدالله (أم وأرملة):
"تضيق بنا السبل كل يوم؛ فالمساعدات التي كانت تصل إلى الفقراء تُنهب في وضح النهار لتُوزع على أتباعهم ومناصريهم. نعيش حالة من الفقر المدقع، والأسعار في الأسواق تشتعل، بينما تفرض المليشيا رسومًا مضاعفة على كل سلعة تصل إلينا.
الكرامة في عنس أصبحت غائبة، إذ يفرضون علينا حضور فعالياتهم بالقوة، ويراقبون تحركاتنا حتى داخل بيوتنا. لقد سلبونا الأمان، وسرقوا لقمة عيش أطفالنا، وبات كل شيء في حياتنا مستباحًا أمام أعينهم، ولا نملك إلا أن نرفع أكف الضراعة إلى الله ليرفع عنا هذا البلاء الذي لا ينتهي."
التجارة تعني الانتحار في ظل المليشيا
وقال وسيم صالح (تاجر محلي):
"التجارة في عنس تحت حكمهم تشبه الانتحار؛ فالمشرفون يفرضون إتاوات يومية، وإذا اعترضت أُغلق محلك بتهمة 'مخالفة النظام'. الضرائب تتضاعف كل شهر، والأرباح تذهب إلى جيوبهم وإلى ما يسمونه المجهود الحربي.
لا توجد سوق حرة ولا تجارة نزيهة، بل هي 'مزرعة' يديرونها لجمع المال بأي وسيلة. نعيش في ضيق اقتصادي خانق، والديون تراكمت فوق رؤوسنا، لكنهم لا يبالون؛ فالمهم عندهم أن تدفع لتستمر، وإن لم تدفع فأنت عدو. لقد خنقوا كل مبادرة للعمل، وجعلونا أسرى لقراراتهم الجائرة التي لا هدف لها سوى استنزافنا."
الأرض التي يُظلم أصحابها ستنتفض يومًا
وقال خالد إبراهيم (ناشط اجتماعي):"أراضي عنس التاريخية تتعرض لعمليات نهب ممنهجة تحت ذرائع واهية ووثائق مزورة يحميها نفوذ المليشيا. كل من يمتلك أرضًا زراعية أو موقعًا استراتيجيًا يصبح هدفًا لهم، وإذا لجأت إلى القضاء، فالقاضي هو خصمك وحكمك في آن واحد.
لقد استباحوا الخصوصيات، وسيطروا على الأملاك، وصمت الناس خوفًا من البطش. نحن نعيش في سجن كبير، لكن هذا التغول هو وقود الغضب القادم، فالأرض التي يُظلم أصحابها ستنتفض يومًا. هم يظنون أن القوة ستحميهم، لكن التاريخ يخبرنا أن من استباح حقوق الناس لا يستمر طويلًا."
خاتمة: الفجر قادم
إلى أهلنا الصامدين في عنس، اعلموا أن ليل القهر مهما طال، فلا بد أن تنجلي ظلمته بطلوع شمس الحق، فما ضاع حق وراءه مطالب.
إن هذه المعاناة اليومية التي تئنون تحت وطأتها ليست إلا أعراض هزيمة هذا المشروع المتهاوي الذي يحاول إخفاء ضعفه بالعنف والنهب.
ثقوا بأن الخلاص من هذا الكابوس بات قريبًا، فالحرية حق لا تستطيع أي قوة مصادرته، والتجارب تؤكد أن الشعوب التي تمتلك تاريخًا عريقًا، كعنس، لا يمكن أن تنحني إلى الأبد.
ابقوا على عهد الصبر والثبات، فكل يوم يمر يضعف فيه طغيانهم، وموعدكم مع الحرية آتٍ لا محالة. فاستعدوا لبناء غدٍ يليق بتضحياتكم وصمودكم، فالفجر قادم.