هل يظل اليمن رهينةً للظلام والارتهان؟ .. مطار صنعاء.. حين تُفتح السماء لـ "طهران" وتُغلق بوجه "اليمنيين"
لم يكن هبوط الطائرة الإيرانية في مطار صنعاء مجرد "رحلة جوية" عابرة، بل كان زلزالاً سياسياً كشف عمق الفجوة بين عالمين: عالم المسؤولين الذين يتقاذفون بيانات الإدانة في فنادق الخارج، وعالم المواطن اليمني الذي لا يملك إلا أن يشاهد سيادته تُنتهك من شاشة تلفازٍ يكافح لتشغيله في ظل انقطاع الكهرباء. وبينما يغرق اليمن في ظلامٍ دامس، وتتتعطل فيه الخدمات، اختارت المليشيات الحوثية أن تفتح الأجواء لـ "الضيف الإيراني"، لتُعلن رسمياً أن القرار السيادي لم يعد يخرج من صنعاء، بل من طهران. هذا التحقيق يغوص في أعماق الشارع اليمني، حيث يسكن الغضب، لننقل صوت من أحرقتهم نيران الحصار و"الارتهان".
هذا الاستخفاف بكرامتنا هو الطعنة الأخيرة في ظهر هذا الشعب
"علي" - (موظف حكومي سابق) قال: "عشرون عاماً من الخدمة في مؤسسات الدولة، واليوم أقف في طابور الخبز وأنا أتساءل: هل نحن في جمهورية ذات سيادة أم في 'فرع' لشركة إقليمية؟ عندما أسمع عن رحلات جوية إيرانية إلى صنعاء، لا أفكر في الدبلوماسية ولا في القانون الدولي، بل أفكر في الرغيف الذي لم يعد متاحاً لأطفالي، وفي المرتبات التي انقطعت منذ سنوات. المليشيات تفتح مطار صنعاء للطائرات الإيرانية التي تحمل الأجندات، وتغلق الأبواب في وجوهنا نحن الذين نبحث عن لقمة العيش أو الدواء. إن هذا الاستخفاف بكرامتنا هو الطعنة الأخيرة في ظهر هذا الشعب، فنحن نعيش حصاراً مطبقاً، بينما هم يمارسون 'السياحة السياسية' مع من دمر مقدراتنا وحول مطاراتنا إلى منصات لإيصال رسائل الموت."
لا أحد يهتم بمعاناتنا
"أم أحمد" - (نازحة من منطقة صراع) قالت:
"اسمع يا أستاذ، أخبرهم أننا لا نريد طائرات تأتي من طهران لتزيد جراحنا، بل نريد طائرات تحمل الأمل والعودة إلى بيوتنا التي هدموها. أعيش في خيمة تذيبها شمس الصيف، وأطفالي يعانون من الأمراض، ومع ذلك أسمع في الراديو أن هناك 'اجتماعات طارئة' و'إدانات دولية'. هل تنفعنا الإدانات يا ابن الحلال؟ الطائرة الإيرانية التي هبطت ليست مجرد رحلة، بل هي تأكيد أن معاناتنا ليست ضمن أولوياتهم، لا في صنعاء ولا حتى في نظر من يتحدثون باسم الشرعية. نحن هنا نموت بصمت، بينما هم يتبادلون التحيات مع طهران. هل بقي في هذا البلد بقية من كرامة نتمسك بها، أم أن السماء والأرض أصبحت ملكاً لمن يدفع أكثر من دمائنا؟"
انتقلنا من مرحلة التبعية إلى مرحلة الابتلاع الكامل
"خالد" - (سائق حافلة أجرة) قال: "والله إن القلب ليحترق، فأنا أقضي نهاري كاملاً في شوارع عدن وصنعاء، وأسمع الناس يتحدثون بمرارة لا توصف. المواطن اليمني لم يعد يفرق بين 'السيادة' و'الاستباحة'؛ لأن حياته أصبحت جحيماً لا يطاق. عندما تأتي طائرة إيرانية مباشرة، المواطن البسيط يفهم فوراً أننا انتقلنا من مرحلة التبعية إلى مرحلة الابتلاع الكامل. أين الحكومة؟ أين هؤلاء المسؤولون الذين يجلسون في الغرف المكيفة؟ عندما أسمعهم يطالبون 'بإجراءات رادعة'، أضحك من شدة الحزن. فلو كان لديهم ذرة من الردع، لما وصلنا إلى حالنا هذا. نحن ندفع ثمن صمتهم وضعفهم، وننتظر كل يوم خبراً جديداً عن انكسارٍ جديد لسيادة هذا البلد الذي لم يعد فيه شيء مملوكاً لنا."
مليشيا لا تؤمن إلا بالولاء للخارج
"سالم" - (صاحب متجر صغير) يقول: "أنا لا أهتم بالسياسة بقدر اهتمامي بتكاليف المعيشة التي أصبحت تقصم الظهر. حين أرى طائرة إيرانية تهبط، أعرف أن الأسعار ستشتعل، وأن السوق سيزداد اضطراباً لأن القرار ليس اقتصادياً بل هو سياسي بامتياز. هذه المليشيات تبرر كل شيء، لكنها لا تستطيع تبرير لماذا يسافرون هم ووفودهم، بينما يمنعوننا نحن من التنقل أو السفر للعلاج.
المطار الذي كان نافذة اليمن للعالم أصبح ثكنة وممراً للتدخلات الخارجية. كفانا شعارات! نريد أن نعيش في بلدنا بكرامة، لا أن نكون رهائن في أيدي مليشيات لا تؤمن إلا بالولاء للخارج، وتنتظر طائرات طهران لتعزز من وجودها على حساب جوعنا وفقرنا."
نحن أمام مرحلة جديدة من الفوضى العابرة للحدود
"دكتورة منى" - (أكاديمية وباحثة) قالت:"المشكلة ليست في الطائرة ذاتها، بل في 'الرسالة' التي تحملها. نحن أمام تقويض ممنهج لكل أسس الدولة اليمنية، والتعامل الإيراني المباشر مع مطار صنعاء يعني أنهم يتجاوزون الدولة كلياً. كأكاديمية، أرى أن هذا الانتهاك يضعنا في مأزق تاريخي؛ فإما أن تتحرك القوى الدولية فعلياً، وإما أننا أمام مرحلة جديدة من الفوضى العابرة للحدود. مجلس القيادة الرئاسي يتحدث عن 'مسؤوليات قانونية'، ولكن الشعب يسأل: ما هي الآليات؟ نحن في مرحلة تتطلب قرارات استراتيجية لا مجرد بيانات إنشائية. استمرار هذا الوهن سيجعل من اليمن مجرد ساحة خلفية، وليس دولة ذات سيادة كما نحلم ونطمح."
الخاتمة:
إن مشهد الطائرة الإيرانية في مطار صنعاء ليس إلا فصلاً واحداً من مسرحية طويلة، تُدفع تكاليفها من جيوب اليمنيين وقوت يومهم. وبينما لا يزال "المسؤولون" يتبادلون الإدانات والوعود، يستمر الواقع في الانهيار، وتظل السيادة اليمنية معلقةً في مهب ريح التدخلات.
إن الشعب اليمني، الذي أثقلت كاهله الوعود المؤجلة، لم يعد يطلب "إدانات" مكتوبة، بل ينتظر أفعالاً تعيد له حقه في وطنه، وتوقف هذا "الاستباحة" التي حوّلت أحلامه إلى سراب، ومنافذه إلى جسورٍ لزوارٍ لا يحملون سوى الخراب والدمار. هل سنشهد يوماً تتحول فيه هذه البيانات إلى واقعٍ يلمسه المواطن؟ أم سيظل "المؤتمر" و"البيان" هما السقف الأعلى لطموحات حكومتنا، بينما يظل اليمن رهينةً للظلام والارتهان؟