إب.. مدينة الرعب الصامت.. كيف تحولت النزاعات الجنائية إلى سلاح لترويع المجتمع بسبب مليشيا الحوثي؟
تتحول محافظة إب، التي لطالما عُرفت بـ"لؤلؤة اليمن" وملاذٍ للسكينة، إلى مسرح مفتوح لجرائم القتل والاعتداءات الجنائية، حتى لم يعد المواطن آمناً في عقر داره.
في الأشهر الأخيرة، أخذت هذه الجرائم منحىً تصاعدياً خطيراً، متجاوزةً حدود الخلافات التقليدية لتصبح أداةً لفرض سطوة الأمر الواقع وبث حالة من الذعر المجتمعي الممنهج.
لم تعد خلافات الأراضي أو الثارات الشخصية تُحل عبر القضاء أو الوساطات المجتمعية، بل باتت تُحسم في قلب الأسواق والأحياء السكنية عبر فوهات البنادق.
إن ظاهرة استخدام السلاح بصورة متهورة في الأماكن العامة ليست مجرد حوادث عارضة، بل هي انعكاس لغيابٍ تام لهيبة القانون في ظل سيطرة مليشيا الرعب والدمار، مليشيا الحوثي.
ويصف شهود عيان مشاهد مرعبة لمسلحين يصفّون حساباتهم في وضح النهار، وسط صمتٍ مطبق من السلطات، مما أدى إلى مقتل أبرياء لا ناقة لهم في تلك الصراعات ولا جمل، سوى أنهم صادفوا وجودهم في مكان الحادث.
وقد خلقت هذه الجرائم حالة من "الخوف الجمعي"، حيث بات الخروج إلى الشارع مخاطرةً غير محسوبة العواقب.
والأكثر إثارةً للقلق هو تزايد حوادث القتل الموجّهة؛ هجمات مسلحة غامضة تستهدف أشخاصاً بعينهم، من وجهاء أو ناشطين أو حتى مواطنين بسطاء، دون أن تُفتح تحقيقات جادة لكشف الجناة.
وتحمل هذه النوعية من الجرائم بصمات "تصفية الحسابات" التي تُرتكب تحت غطاء الفوضى الجنائية، مما يعزز قناعة الشارع بأن القانون بات معطلاً عمداً، وأن حياة الإنسان في إب أصبحت أرخص من ثمن رصاصة، خاصة إذا كان الضحية صوتاً لا يتسق مع توجهات قوى النفوذ المسيطرة.
أما النقطة الأكثر إيلاماً وخطورة في المشهد الأمني فهي "سجل الاختطافات"، ولا سيما تلك التي تستهدف النساء. ففي مجتمع محافظ كإب، تُعد هذه الانتهاكات خرقاً صارخاً للأعراف والقيم.
إن تسجيل حالات اختطاف لنساء، تحت ذرائع مختلفة أو في ظروف غامضة، لم يؤدِ فقط إلى صدمة مجتمعية، بل أحدث حالة من "الرعب النفسي" داخل الأسر، مما دفع الكثير منها إلى تقييد حركة بناتها ونسائها خوفاً من المصير المجهول، لتصبح هذه الممارسات وسيلة ضغط وترهيب تُستخدم لكسر شوكة المجتمع وإجباره على الصمت.
إن تفاقم هذه الجرائم لم يأتِ من فراغ، بل هو نتيجة طبيعية لتحويل المحافظة إلى ساحة لتصفية الحسابات بين أطراف النفوذ، حيث يتم تسخير بعض العناصر المسلحة للقيام بمهام قذرة تحت ستار "العمل الجنائي"، لضمان إفلات الجناة من العقاب وتضليل الرأي العام.
وتكشف الوقائع اليومية أن كثيراً من بلاغات القتل والاعتداء التي تصل إلى أقسام الشرطة تظل حبيسة الأدراج، أو يتم لفلفتها عبر صفقات مالية مشبوهة تكرس هيمنة القوي على الضعيف، مما جعل العدالة في إب تبدو كسرابٍ لا يمكن الوصول إليه.
علاوة على ذلك، أدى انتشار السلاح الخفيف والمتوسط في أيدي أفراد غير منضبطين إلى تحويل النزاعات التافهة حول ممر مياه أو حدود أرض إلى معارك دامية يسقط فيها الأبرياء، بينما تقف الأجهزة الأمنية موقف المتفرج، أو المشارك أحياناً.
وما يزيد المشهد قتامة هو غياب أي دور حقيقي للمشايخ والوجهاء الذين كانوا يمثلون في السابق صمام أمان لفض النزاعات، حيث جرى تدجينهم أو إقصاؤهم، ليحل محلهم "مشرفون" لا يعرفون عن خصوصية المدينة وقيمها شيئاً.
إن حالة الذعر التي أصابت النساء فرضت على المجتمع نوعاً من "الإقامة الجبرية" الاختيارية، حيث باتت الأسر تحصي أنفاسها وتخشى أي تحرك خارج نطاق المألوف خوفاً من الملاحقة أو التلفيق.
وتؤكد الشهادات المسرّبة من داخل المعتقلات غير الرسمية أن هناك المئات من الشباب الذين اختفوا قسراً بذريعة "التحقيق الجنائي"، بينما الحقيقة أنهم دفعوا ثمن رفضهم للابتزاز أو مطالبتهم بحقوقهم المسلوبة.
إن هذا التردي الأمني الملحوظ، الذي يتوسع كالنار في الهشيم، يحمل في طياته مخاطر وجودية تهدد السلم الاجتماعي الهش في المحافظة، إذ لم يعد الرعب محصوراً في الميادين، بل تسلل إلى جدران البيوت وغرف النوم، محولاً حياة المواطن إلى رحلة يومية محفوفة بالمخاطر، لا يضمن فيها المرء عودته إلى أهله سالماً.
إن استمرار هذا النهج في إدارة الشأن الأمني، والقائم على "تسييد الجريمة" وإخضاع المواطنين بقوة الرعب، لن يؤدي إلا إلى انفجار مجتمعي لا تُحمد عقباه، فالكرامة التي تُمتهن كل يوم تحت فوهات البنادق هي التي ستكتب، في نهاية المطاف، فصول الحكاية الأخيرة لهذا الظلم الذي بات عنواناً يومياً لمحافظة إب.