معادلة "الخمس" و"الموت" .. الإنسانُ هو الوقود .. إب.. حين تستغيثُ الجبالُ من "قسوةِ المليشيا" وحنينِ الدولة الغائبة
في "إب".. لواءُ السلام الذي استحال إلى "ثكنةِ جبايات"، لم يعد الموتُ حدثًا استثنائيًا، بل بات "روتينًا" يوميًا يمارسه مشرفون يتنفسون النهب، ويقتاتون على استنزافِ ما تبقى من كرامةِ الإنسان.
في هذه المدينة التي كانت تظن أن خضرتها كافيةٌ لتعصمها من شرور السياسة، اكتشف أهلُها أنهم محشورون داخل "سجنٍ مفتوح"، جدرانُه من رصاص، وسجّانوه من خريجي أقبيةِ الجهل.
معادلة "الخمس" و"الموت": الإنسانُ هو الوقود
للمليشيا في إب فلسفةٌ اقتصاديةٌ فريدة؛ فهي لا تدير دولةً، بل تدير "شركةَ نهبٍ متعددة الأنشطة". لا يهمّها إنْ سُفكت دماء الأبرياء، أو غُيّب القانون في دهاليز المحاكم، أو أُحرقت أكبادُ الأسر على ممتلكاتهم المنهوبة. الهدفُ واحدٌ ومقدّسٌ لديهم: "المجهود الحربي"، و"الخمس"، وتشييدُ إمبراطورية العقارات من أراضي المواطنين.
المواطنُ في إب ليس بشرًا في نظرهم؛ هو مجرد "رقمٍ" في قائمة المجبين، أو "خزانٍ" لتمويل المقاتلين. وإذا ما اعترض أحدهم؟ فالمصيرُ جاهز: تهمةٌ معدّة مسبقًا، أو رصاصةٌ "طائشة" تُطلق من مسدسِ مشرفٍ لم يقرأ في حياته سوى كتيبات التحريض.
حنينُ "الجمهورية".. عندما يصبحُ الماضي ملاذًا
في المقاهي المكتظة بالهموم، وفي أحاديث الناس الموشّاة بالوجع، يبرز اسمُ "علي عبدالله صالح" ليس كشخصٍ فحسب، بل كرمزٍ لـ"دولةٍ" كانت قائمة. يتحدثون عن "الزمن الجميل" بأسى، حين كان للدولة هيبة، وللقانون مرجعية، وللمواطن حدٌّ أدنى من الكرامة.
إنَّ الحنينَ هنا ليس مجرد عاطفة، بل هو "احتجاجٌ صامت" على واقعٍ انحدر فيه سقفُ الحياة إلى مستوياتٍ قاسية، حيث يحكم "المشرف" الذي لا يملك مؤهلًا سوى قدرته على القتل والجباية.
هل من "مفتاحٍ" للزنزانة؟
إب اليوم تقفُ في منتصف طريقٍ مظلم، تراقبُ دماءها وهي تنزف، وتتساءل بمرارة: متى تنتهي حفلةُ المشرفين هذه؟
لقد أفرغت المليشيا جيوبَ الناس، ثم حاولت إفراغ رؤوسهم من أحلام التغيير، جاعلةً "رغيف الخبز" هو سقف الطموح البشري. لكنَّ التاريخ -الذي ينساه هؤلاء الغزاة- يؤكد أنَّ الشعوب التي تملك الذاكرة لا تموت، وأنَّ "إب" التي تحتضن الجبال في سمائها، لا يمكنها أن تظلَّ أسيرةً للأقزام.
إنَّ المدينةَ تبحثُ عن مفتاحِ خلاصها، وهو مفتاحٌ لن يأتي عبر طرودٍ خارجية، بل سيُنحت من رحم معاناتها، حين تدرك هذه الجموع أنَّ "الخوف" الذي يفرضه المشرف ما هو إلا "فقاعةٌ" هشّة، ستنفجرُ بمجرد أن يقرر أصحابُ الحق أنَّ "الحياةَ ببذلِها" أرخصُ من "الموتِ بانتظارِ الجباية".