استراتيجية التصعيد الحوثي في البحر الأحمر
في تحول لافت قد يعيد تعريف طبيعة التهديد في أحد أهم الممرات المائية الحيوية في العالم، أعلنت جماعة الحوثي فرض "حظر للملاحة البحرية" على السعودية، مؤكدة دخوله حيز التنفيذ فورًا، هذا الإعلان، الذي بررته الجماعة الحوثية بأنه تفعيل لـ"معادلة الحصار بالحصار" ردًا على ما تعتبره إغلاقًا للموانئ والمطارات اليمنية، يمثل نقلة نوعية في الخطاب العملياتي، فلم يعد التهديد مقتصرًا على "السفن الإسرائيلية" أو الداعمة لها، بل اتسع ليشمل دولة جارة ومحيطها الاقتصادي بشكل مباشر، لكن السؤال الجوهري ليس فقط عن قدرة الحوثيين على تنفيذ هذا التهديد، بل عن التوقيت، والأهداف الحقيقية الكامنة خلف هذا التصعيد اللفظي، وكيف يخدم استراتيجيتهم الشاملة في الداخل اليمني والإقليم ويضمن مصالح ايران الداعم والممول والمحرك الاساسي لهذا التصعيد.
السياق الإقليمي والمحلي: تزامنات تكشف النوايا
لا يمكن قراءة هذا التصعيد بمعزل عن شبكة التزامنات المعقدة التي تحيط به، حيث يأتي هذا التصريح في قلب توتر إقليمي غير مسبوق وقصف امريكي مستمر لإيران ورد ايراني بالعدوان على الدول العربيةالمحيطة واستهداف منشآت حيوية في الكويت و البحرين.
هناك تقارير استخباراتية (رويترز، تلغراف وغيرها) تدل على تنسيق إيراني حوثي كبير منذ اشهر للاستعداد لإغلاق باب المندب في حال تعرضت منشآت الطاقة الإيرانية لهجمات، و هنا، تصبح الساحة اليمنية ورقة ضغط إيرانية جاهزة للتفعيل في أي مواجهة كبرى.
لكن البعد المحلي لا يقل أهمية؛ فتزامن التهديد مع منع الحكومة اليمنية طائرة "ماهان" الإيرانية من الهبوط في صنعاء يكشف أن الحوثيين يعملون على محورين: خارجي لترسيخ دورهم كذراع لإيران في "وحدة الساحات"، وداخلي لتحدي الحكومة اليمنية وتقويض سيادتها، مصورين أنفسهم كطرف قادر على فرض معادلاته رغم الحصار.
تفكيك استراتيجية "الحصار بالحصار": من أداة ضغط إلى عقيدة ردع
إعلان "الحصار بالحصار" ليس مجرد رد فعل، بل هو تتويج لعقيدة عسكرية حوثية تطورت بشكل كبير. إنها استراتيجية اللاتماثل، حيث يعوض الحوثيون ضعفهم النسبي في القوة الجوية والبحرية التقليدية بقدرة عالية على إلحاق الضرر، بتكلفة منخفضة، عبر الصواريخ المضادة للسفن والطائرات المسيرة والزوارق المفخخة. الهدف الاستراتيجي الأعمق هو تغيير مفهوم "الردع" نفسه: فبدلاً من ردع الهجوم، يسعى الحوثيون لردع خصومهم عن ممارسة أي ضغط اقتصادي مستقبليًا، من خلال جعل "تكلفة الحصار" باهظة على من يفرضه. إنها محاولة لإنشاء توازن رعب مصغر في البحر الأحمر، حيث تتحول كل سفينة أو ميناء إلى هدف محتمل، وبالتالي، يصبح أمن الملاحة العالمية رهينة بالاستقرار الاقتصادي في مناطق سيطرة الحوثي.
التداعيات المعمقة: ما وراء التحليل التقليدي
· عسكريًا: معضلة الاستهداف الدائم
التحدي الحقيقي ليس صد هجوم كبير، بل مواجهة تهديد "منخفض التكلفة وعالي التأثير". حتى لو كانت الدقة منخفضة، فإن مجرد محاولات الاستهداف المتكررة تجبر القوات البحرية الدولية على حالة استنفار دائم، وتستنزف مواردها في مواجهة أهداف رخيصة، و هذا يخلق ما يمكن تسميته "حرب الاستنزاف البحرية"، وهو سيناريو يدرك الحوثيون أنهم قادرون على تحمله لفترة أطول من خصومهم.
· اقتصاديًا: تحويل البحر الأحمر إلى "منطقة نزاع"
بعيدًا عن أقساط التأمين، التهديد الحوثي الجديد يصنف البحر الأحمر وباب المندب من "ممر مائي عالي الخطورة" إلى "منطقة نزاع نشط". هذا التصنيف له تبعات قانونية وتجارية هائلة، فقد يدفع شركات شحن كبرى إلى تغيير مساراتها بشكل شبه دائم، ليس فقط بسبب الخطر المباشر، بل بسبب التعقيدات القانونية واللوجستية للإبحار في منطقة حرب، و الضرر الأكبر قد يلحق بالسعودية التي تسعى لترسيخ مكانتها كمركز لوجستي عالمي عبر موانئها على البحر الأحمر، وهو ما يضرب في صميم "رؤية 2030".
· سياسيًا وداخليًا يمنيًا: السلاح ذو الحدين لحكومة اليمن، يمثل هذا التهديد فرصة وسيفًا مسلطًا. الفرصة هي توظيفه دبلوماسيًا لإثبات أن الحوثيين خطر على الأمن العالمي، مما قد يعزز الدعم لاستعادة الدولة. أما التهديد فيكمن في أن يؤدي هذا التصعيد إلى تهميش الحكومة تمامًا، حيث يصبح التعامل الدولي مع الملف اليمني مقتصرًا على "إدارة التهديد الأمني" للحوثيين بدلًا من "حل سياسي شامل". الحوثيون بدورهم يستخدمون هذا التصعيد لتعبئة قاعدتهم الشعبية بتصوير أنفسهم كمدافعين عن السيادة اليمنية في مواجهة "الحصار السعودي"، مما يحرف الأنظار عن الأزمات الاقتصادية الخانقة في مناطق سيطرتهم.
السيناريوهات:
من ردع الحصار إلى حرب الاستنزاف المفتوحة:
السيناريو الأول: الردع الانتقائي (الأكثر ترجيحًا)
سيبقى الإعلان في إطار "الضغط دون الانفجار". سينفذ الحوثيون عمليات محدودة ومدروسة ضد أهداف رمزية أو سفن يمكن ربطها إعلاميًا بالسعودية، لتثبيت مصداقية تهديدهم، مع تجنب استفزاز رد دولي ساحق، و هذا يحقق هدف "الحصار بالحصار" كأداة مساومة سياسية واقتصادية، وليس كحرب مفتوحة.
السيناريو الثاني: تحول باب المندب إلى جبهة مفتوحة (مرجح في حال تصعيد إقليمي)
إذا تحولت التوترات مع إيران إلى مواجهة مباشرة، سيتحول باب المندب من ورقة ضغط إلى جبهة قتال فعلية، و هنا، سنشهد محاولات "إغراق" للمضيق بالتهديدات، ليس بهدف الإغلاق الكامل المستحيل، بل بهدف إحداث أكبر قدر من الشلل والفوضى لاستنزاف القوات الدولية، وسيصبح المضيق ساحة لـ"حرب الظل" بين إيران والغرب عبر الوكلاء.
· السيناريو الثالث: انهيار الردع إلى حرب استنزاف شاملة (الأقل احتمالًا لكنه الأخطر)
سيناريو تتجاوز فيه التهديدات الخطاب، حيث تؤدي ضغوط داخلية أو حسابات خاطئة إلى هجوم كبير ينجح بإغراق سفينة حربية أو تجارية كبرى، و هذا سيستدعي ردًا عسكريًا مدمرًا ضد البنية التحتية للحوثيين، مما قد يحول الصراع في اليمن إلى مرحلة أكثر عنفًا وفوضوية، حيث يخسر الجميع.
والخلاصة ان ما بعد الإعلان وما سيحدث هو عصر جديد من عدم الواقعية فهذا
إلاعلان الحوثي ليس مجرد تهديد يمكن قياسه بقدرته على تنفيذه فحسب، بل هو إعلان عن دخول الصراع اليمني مرحلة جديدة من "حروب الردع غير المتماثلة". حتى لو كان الإغلاق الكامل للمضيق احتمالًا ضئيلًا، فإن السيناريو الأكثر ترجيحًا، وهو "حرب الاستنزاف الانتقائية"، يحمل في طياته أضرارًا استراتيجية عميقة. إنه ينجح في إعادة تعريف البحر الأحمر كمنطقة صراع، ويفرض تكاليف اقتصادية وسياسية وعسكرية مستمرة على الخصوم، ويمنح الحوثيين ورقة ضغط لا يمكن تجاهلها في أي مفاوضات قادمة، واذا نجحت الجماعة الحوثية في ربط أمن أحد أهم ممرات العالم المائية باستقرارها الداخلي واستمرار سيطرتها على الداخل اليمني، فهذا في حد ذاته انتصار استراتيجي يغير قواعد اللعبة للأبد ولكن هيهات لها ذلك.
*اكاديمي ومحلل سياسي يمني - جامعة تعز