21 سبتمبر .. تغريبة الجرح المستمر

منذ 41 دقيقة
مشاركة الخبر:

في الحادي والعشرين من سبتمبر عام 2014، اجتاحت جماعة الحوثي العاصمة صنعاء تحت غطاء من الشعارات البراقة والوعود الزائفة، حيث قيل لليمنيين إن الخلاص قادم، وإن عهدًا جديدًا من العدالة ومكافحة الفساد قد بدأ. صدّق الكثير من البسطاء تلك اللافتات المرفوعة في الساحات، لكن العقد المرير الذي تلى ذلك الانقلاب أثبت أن ذلك المسار لم يكن إلا مصيدة قادت البلاد إلى نفق مظلم من الحرب الطاحنة، والانقسام المجتمعي السحيق، والفقر المدقع، وموجات النزوح التي لم تتوقف. ومع توغل الجماعة في مفاصل الدولة، تلاشت المؤسسات الرسمية لتمرير سلطة أمر واقع ميليشياوية، وتحولت المدن اليمنية إلى ساحات صراع مفتوح، وبدلاً من إنهاء الفساد، أنشأت الجماعة شبكات نفوذ واقتصادًا موازيًا استنزف مقدرات المواطن، وصادق على نهب الرواتب وتدمير الخدمات الأساسية لصالح تمويل مشاريعها الخاصة.وكلما ضاق خناق العيش باليمني وتساءل بصوت مجهد عن المسؤول عن هذا الانهيار الشامل، كانت الماكينة الإعلامية للحوثيين جاهزة لإنتاج خصم جديد لتبرير فشلها الإداري والسياسي، وتحويل الأنظار عن الأزمة الداخلية الخانقة. تغيرت الأسماء واللافتات بحسب ما تقتضيه مصلحة الجماعة؛ فكانت البداية مع اتهام الخصوم السياسيين بـ "الوهابية والفساد" لتبرير اجتياح المدن، ثم تحولت الذريعة إلى محاربة "الدواعش والتكفيريين" مع تمدد المواجهات العسكرية، تلاها الاستناد إلى شماعة "العدوان الخارجي والحصار" لتفسير قطع رواتب الموظفين وانهيار القطاع الصحي والتعليمي, وصولاً إلى رفع شعارات "مواجهة الأمريكان والصهاينة" كغطاء فضفاض يُستدعى دائمًا لربط المعاناة المحلية بصراعات إقليمية لا ناقة لليمني فيها ولا جمل. تتعدد هذه المسميات وتتبدل الذرائع الحوثية من عام إلى آخر، لكن النتيجة تظل ثابتة ولا تتغير: وطن ممزق، نسيج اجتماعي مشروخ، وشعب صابر يدفع وحده الثمن من قوته وأمنه ومستقبل أطفاله.ومن رحم هذه السياسات القمعية، تحول اليمن إلى واحدة من أكبر الأزمات الإنسانية في العالم، حيث باتت ملايين العائلات تعيش مرارة "التغريبة" داخل وطنها وخارجه جراء البطش والتهجير. أصبحت مخيمات مأرب، ولحج، والساحل الغربي، وشوارع المنافي شواهد حية على حجم الكارثة التي خلفها الانقلاب الحوثي، حيث ينام النازح ويستيقظ على حلم العودة إلى منزل صودر أو فُجّر، وسط إصرار الجماعة على إغلاق كافة منافذ الحل السياسي وتعميق المعاناة الإنسانية. وبعد مرور كل هذه السنوات العجاف، يتجلى السؤال الأكثر إلحاحًا ومرارة في أذهان اليمنيين: ماذا حقق 21 سبتمبر للمواطن البسيط غير الوعود المهدورة؟ إن النتيجة الوحيدة الواضحة للعيان هي أن هذا التاريخ تحول في الذاكرة الجمعية إلى المناسبة السنوية التي يتذكر فيها اليمنيون اليوم الأسود الذي بدأت فيه رحلة شتاتهم، واليوم الذي فُفتح فيه جرح الوطن الطويل الذي يرفض الحوثيون السماح له بأن يندمل.ورغم قتامة هذا المشهد وتغول أدوات القمع الإيديولوجي والعسكري، إلا أن روح الرفض الشعبي لم تخمد، بل تحولت إلى جدار صلب في وجه محاولات طمس الهوية اليمنية وتطييف المجتمع. يتجلى هذا الصمود اليوم في تنامي الوعي المجتمعي الذي بات يفرز زيف الشعارات الحوثية، وفي التمسك الشعبي العارم بمكتسبات النظام الجمهوري وثورتي سبتمبر وأكتوبر كمرجعية وطنية جامعة، فضلاً عن المقاومة الشعبية الباسلة بمختلف أشكالها العسكرية، والفكرية، والحقوقية التي تخوض مواجهة يومية لحماية ما تبقى من كرامة الإنسان اليمني وسيادة أرضه؛ ليظل هذا الوعي المتجدد هو الرهان الحقيقي والضمانة الأكيدة لكسر قيود هذا المشروع الانقلابي واستعادة الدولة المنهوبة مهما طال ليل المعاناة.