مسرحية التصعيد المتكررة .. ومأساة العودة إلى اللا حرب واللا سلم

منذ ساعة
مشاركة الخبر:

في كل مرة يشتد فيها التصعيد العسكري في اليمن، ويعلو هدير الطائرات، وتتساقط الصواريخ، وتتبادل الأطراف التهديدات والوعيد، يظن اليمنيون أن ساعة الحسم قد اقتربت، وأن نهاية الانقلاب باتت وشيكة. لكن ما إن تنقشع سحب المعارك حتى يتكرر المشهد ذاته، إذ تتوقف الاشتباكات، وتخفت أصوات المدافع، وتتراجع لغة الحسم، لتعود البلاد مجدداً إلى المستنقع الذي أغرقها لأكثر من أحد عشر عاماً حالة اللا حرب واللا سلم.

وخلال الأسابيع الماضية، صعّدت مليشيا الحوثي، المدعومة من النظام الإيراني، من عملياتها العسكرية على مختلف الجبهات، مستهدفة قوات الحكومة الشرعية، وموسعة هجماتها باتجاه المملكة العربية السعودية وطرق الملاحة الدولية في البحر الأحمر وباب المندب. وتوالت الغارات الجوية، والصواريخ الباليستية، والطائرات المسيّرة، في مشهد أوحى لكثيرين بأن معركة فاصلة قد أصبحت على الأبواب.

ولأن هذا التصعيد جاء، متزامناً مع استكمال قيادة الشرعية لمعظم مقومات استعادة الدولة، فقد انعقدت آمال اليمنيين على أن تكون هذه الجولة بداية النهاية للانقلاب، وفرصة طال انتظارها لإنهاء معاناة الملايين، واستعادة مؤسسات الدولة، وطي صفحة الحرب.

لكن المشهد لم يختلف كثيراً عن سابقاته. فسرعان ما تراجعت لغة المواجهة، وحلت محلها بيانات التهدئة، والتصريحات الداعية إلى منح الانقلاب فرصة جديدة للحلول السلمية، مع تكرار المبررات ذاتها التي تتحدث عن تجنيب المدنيين مزيداً من المعاناة، أو أن الظروف لا تزال غير مهيأة لحسم عسكري.

والحقيقة التي لم يعد بالإمكان تجاهلها هي أن هذه المعادلة لم تنتج سلاماً، ولم تنه حرباً، ولم تستعد دولة، بل كرست واقعاً عبثياّ أصبح فيه اليمن رهينة لحالة من الشلل السياسي والعسكري، يدفع المواطن وحده ثمنها، بينما تستمر المليشيا في تعزيز نفوذها، وإطالة أمد الانقلاب، واستنزاف مقدرات البلاد.

إن العودة المتكررة إلى مربع اللا حرب واللا سلم. لم تعد سياسة لاحتواء الأزمة، بل تحولت إلى غطاء لإدارتها بدلاّ من حلها، وإلى وصفة مضمونة لإطالة الصراع، وتعميق الانهيار الاقتصادي، وتوسيع رقعة الفقر والنزوح، وحرمان اليمنيين من حقهم في الأمن والاستقرار واستعادة دولتهم.

لقد سئم اليمنيون دوامة التصعيد المؤقت، والتراجع المتكرر، والوعود التي لا تتحقق. فما يحتاجه الوطن ليس جولات جديدة من المهاترات الإعلامية، ولا تصعيداً محسوباً ينتهي إلى تفاهمات مؤقتة، بل إرادة سياسية واضحة تنهي الانقلاب، وتستعيد مؤسسات الدولة، وتضع حداً لمعاناة شعب دفع أثماناً باهظة، ولا يزال ينتظر لحظة الخلاص.

إن أخطر ما يواجه اليمن اليوم ليس التصعيد العسكري بحد ذاته، بل الاعتياد على الفشل، وتحويل حالة اللا حرب واللا سلم إلى واقع دائم، وكأن بقاء الوطن معلقاً بين الحرب والسلام أصبح قدراً لا يمكن الفكاك منه. وهذا هو الخطر الحقيقي الذي يهدد حاضر اليمن ومستقبله.