رحيل النبيل .. في وداع الطبيب والإنسان الدكتور عبدالوهاب العلفي

منذ 3 ساعات
مشاركة الخبر:

ليس من السهل أبدًا أن تُخطَّ الكلماتُ رثاءً لإنسانٍ اختصر في حياته نبلَ الخلق، وصدقَ المعاملة، والتفانيَ في أداء رسالته، ثم مضى تاركًا خلفه غصّةً في الحلق، وفراغًا في قلوب محبيه لا يملؤه إلا صادق الدعاء ووفاء الذكرى.
اليوم، وأنا أودّع أخي العزيز الدكتور عبدالوهاب محمد علي العلفي، لا أنعى مجرد طبيب بارع أو إداري قدير، بل أرثي إنسانًا استثنائيًا تجسّد في تواضعه الجم، وطيبته الآسرة، وابتسامته التي كانت تسبق خطاه، وحبه النقي للناس والوطن.
امتدت معرفتي بالراحل العزيز على مدى عقود، فلم تكن مجرد زمالة عابرة، بل نمت وتجذّرت حتى غدت علاقة أسرية وثيقة ضاربة في الأعماق. فقد كان الآباء إخوةً في المودة والوفاء، وتلاقت مسارات الأخوة؛ فكان شقيقه العزيز "عبدالله" زميلًا لأخي الدكتور "عبدالهادي"، بينما ظل أخي الحبيب "يحيى" من أقرب الأصدقاء إلى قلبي بحكم تقارب العمر، وطول العِشرة، ونقاء السريرة.
لقد عرفت هذه الأسرة الكريمة منبعًا للعلم والفضل والوطنية؛ أسرةً تتعدد في إطارها الاجتهادات الفكرية والرؤى السياسية، لكن يجمع أفرادها رباطٌ مقدّس واحد: حب اليمن، والإخلاص في العمل، وإعلاء قيمة الإنسان.
ترك الدكتور عبدالوهاب بصمة مهنية لا تُمحى؛ فكان طبيبًا متميزًا، وإداريًا حكيمًا، ترك أثرًا طيبًا في كل منصب تقلده، بفضل كفاءته العالية وأمانته الصادقة في أداء الواجب.
وخلال فترة عمله مستشارًا صحيًا في سفارة الجمهورية اليمنية لدى المملكة الأردنية الهاشمية، كان نعم العون والسند لأبناء الجالية، وخاصة المرضى الذين وجدوا فيه الأخ الناصح، والمسؤول المتواضع، والطبيب الإنسان الذي يفتح بابه وقلبه لكل قاصد دون تردد أو منّة.
وعلى الرغم من غربته وصعوبة اللقاءات المتواصلة، كانت مواعيدنا تتجدد بحفاوة كلما زار اليمن، أو جمعتنا العاصمة الأردنية عمّان. غير أن إقامته الأخيرة في القاهرة، وإن قصرت مدتها، منحتني فرصة الاقتراب من روحه النبيلة أكثر؛ فاكتشفت فيه جوانب إنسانية مدهشة زادتني إكبارًا له.
لقد كان كتلةً من التفاؤل وحب الحياة، واسع الأفق والعلاقات، راقي السلوك، مثقفًا لمّاحًا، واجتماعيًا من طراز رفيع، يملك روحًا عذبة تأسر القلوب، وابتسامة صادقة تبث الطمأنينة في نفوس المحيطين به.
وقبل نحو شهرين، داهمته جلطة دماغية مفاجئة، ورغم الجهود الطبية الحثيثة والمخلصة لإنقاذ حياته، إلا أن مشيئة الله كانت أسرع، ففاضت روحه الطاهرة إلى بارئها يوم الأربعاء الموافق 29 يوليو 2026، بعد رحلة من المعاناة والصبر.
رحم الله الدكتور عبدالوهاب العلفي، وتغمده بواسع رحمته وغفرانه، وأسكنه فسيح جناته، وألهمنا وأهله وذويه ومحبيه الصبر والسلوان.
"إنا لله وإنا إليه راجعون".

*أكاديمي وسياسي يمني.