تعز تحترق في العتمة.. نداء استغاثة وصرخة تحذير أخيرة .. مأساة مدينة يُباع فيها النور وتجار أزمات يبتزون المواطنين
منذ العام 2015، والمواطن في مدينة تعز يرزح تحت وطأة ظلام دامس غيّب مقومات الحياة الأساسية، وحوّل أحياء المدينة الحالمة إلى سرادق معتمة. وفي ظل تغيّب شبه تام للمؤسسات الرسمية وغياب التيار الكهربائي الحكومي، استغلت شبكات من المتنفذين والتجار هذا الفراغ المأساوي، لتدير "إمبراطورية كهرباء تجارية" خاصة، قائمة على الجشع والابتزاز الممنهج.
لم تعد الكهرباء في تعز خدمة عامة، بل تحولت إلى أداة استنزاف قاسية تنهب ما تبقى من جيوب الأسر المنهكة بفعل الحرب وغلاء المعيشة، وسط صمت مطبق وغياب تام لأي حسيب أو رقيب من الجهات المسؤولة، التي تترك أبناء تعز فريسة سهلة لمافيا المولدات.
تفاصيل الانتهاكات وأرقام الابتزاز
لقد بلغ التغول التجاري في قطاع الطاقة بمدينة تعز مداه، متجاوزًا كل الأعراف الإنسانية والقوانين الناظمة للخدمات العامة، حيث تتكشف يوميًا فصول جديدة من الاستغلال الفاحش الذي تفرضه شركات ومولدات الطاقة الخاصة.
أسعار خيالية للكيلوواط:
وصل سعر الكيلوواط الواحد من التيار التجاري إلى ألف وخمسمائة ريال يمني، وهو سعر فلكي لا يطيقه الموظف البسيط ولا العامل اليومي، ما يضع الأسر أمام خيارين أحلاهما مر: إما العيش في ظلام تام، أو الإنفاق على الكهرباء على حساب قوت أطفالهم اليومي.
إتاوات الاشتراك القسري:
لا يقف الأمر عند استهلاك الكيلوواط، بل فُرض على المشتركين دفع اشتراك دوري إجباري بواقع ألف ريال كل عشرة أيام، بغض النظر عن حجم الاستهلاك الفعلي، في سابقة لا نظير لها تعيد إلى الأذهان أساليب الجباية القروسطية.
احتكار العدادات بأسعار باهظة:
عند محاولة أي مواطن الحصول على خدمة طاقة، يصطدم بتعرفة تعجيزية لثمن إدخال وتركيب العداد، والتي تجاوزت ثمانين ألف ريال يمني للعداد الواحد، وهو مبلغ مغموس بمعاناة الفقراء، ويشكل عائقًا تعجيزيًا مقصودًا لتكريس الاحتكار.
من هم المستفيدون ومن يقف خلف المهزلة؟
إن ما يحدث اليوم في مدينة تعز ليس مجرد عشوائية في قطاع الخدمات، بل هو منظومة مصالح متشابكة تديرها شبكة من المستفيدين المنتفعين من استمرار غياب الدولة.
شبكات المتنفذين والتجار:
هم المستفيد الأول والأخير، حيث استثمروا المأساة الإنسانية لتحويل المولدات التجارية إلى دجاجة تحضن ذهبًا، محققين أرباحًا خيالية على حساب أنين المرضى والطلاب والأطفال.
المتواطئون مع غياب الرقابة:
إن غياب أي تحرك جاد من قبل السلطة المحلية والجهات الرقابية يطرح علامات استفهام كبرى حول وجود مصالح خفية أو غطاءات يمنحها فاسدون لمستغلي معاناة المواطنين، مما جعل هذه المولدات تعمل كدولة داخل الدولة، لا تخضع لقانون ولا تتقيد بتسعيرة عادلة.
المطالب والحلول
أمام هذه المهزلة الكبيرة التي تعيشها مدينة تعز، لم يعد الصمت ممكنًا، وصار لزامًا على الجهات المعنية مغادرة مربع التواطؤ والجمود. وعليه، فإننا نطالب بما يلي:
التحرك الفوري للقيادات العسكرية والأمنية والمدنية، وكسر حالة الصمت المخزي، وإلزام التجار والمتنفذين بتخفيض التسعيرة فورًا بما يتناسب مع القدرة المالية للمواطنين، كخطوة طارئة.
العودة الحتمية للتيار الحكومي، ووضع خطة إسعافية واضحة المعالم لإصلاح شبكة الكهرباء العامة ومحطات التوليد الحكومية، وإنهاء الاحتكار التجاري للخدمات الأساسية التي هي حق أصيل للمواطن وليست سلعة للمزايدة.
تفعيل الرقابة والمحاسبة، وتشكيل لجنة تحقيق مستقلة ومحايدة لكشف المتورطين في حرمان تعز من الكهرباء الحكومية، ومحاسبة كل من سوّلت له نفسه المتاجرة بأوجاع الناس وأمنهم المعيشي.
حان وقت الاستفاقة.. تعز تستحق النور لا العتمة
إن هذه المهزلة القائمة في قطاع الكهرباء بمدينة تعز لم تعد مجرد أزمة خدمات عابرة يمكن تجاوزها بالمسكنات أو امتصاص الغضب بالوعود الشفهية، بل غدت وصمة عار في جبين السلطة المحلية والحكومة الشرعية على حد سواء، واختبارًا مفصليًا لمفهوم وجود الدولة وهيبتها التي تتآكل يوميًا أمام تغول المتنفذين.
إن الاستمرار في إغماض العين عن خنق المواطنين واستنزاف أجورهم الضعيفة لصالح ثلة من تجار الحروب وشبكات المصالح المتنفذة، هو اشتراك صريح ومباشر في هذه الجريمة الأخلاقية والإنسانية التي تُرتكب بدم بارد بحق أبناء تعز الصامدين، الذين دفعوا الثمن الأكبر خلال السنوات الماضية.
لقد فاض الكيل بالشارع التعزي الذي شبع، على مدى أكثر من عقد، من التبريرات الواهية والتنصل من المسؤولية، ولم يعد يمتلك رفاهية الصمت بينما تقتطع مافيا المولدات قوت أطفاله وثمن دواء مرضاه، وتصادر أبسط حقوقه الآدمية في وضح النهار بلا حياء ولا رادع.
إننا نضع هذا أمام أعتاب المجلس الرئاسي والحكومة والسلطات الأمنية والمدنية في المحافظة، ليس لمجرد التوثيق والإنشاء الصحفي، بل كنداء استغاثة وصرخة تحذير أخيرة تطالب بفتح ملفات الفساد وإعادة ضبط البوصلة نحو المواطن عبر خطوات فاعلة:
استعادة قطاع الكهرباء الحكومي:
يجب أن تسقط إمبراطورية المولدات الخاصة فورًا لصالح استعادة تشغيل التيار الحكومي بخطة زمنية صارمة وغير قابلة للتأجيل أو التسويف.
الضرب بيد من حديد على أيدي العابثين:
وإخضاع المتنفذين والتجار للقانون، وفرض تسعيرة عادلة بقوة السلطة، وإلغاء إتاوات الاشتراك الجائرة، هو المحك الحقيقي لمدى جدية القيادة في حماية مواطنيها.
استعادة الثقة المفقودة:
إن حرمان مدينة حية ومناضلة كـ"تعز" من النور هو قتل ممنهج لروحها المدنية، ولا يمكن الحديث عن مشروع دولة أو حوكمة على جثث الخدمات الأساسية للمواطنين.
ختامًا
إن التاريخ لن يرحم من فرّطوا في هذه المدينة وأهلها، والكرة الآن في ملعب القيادات؛ فهل تتحرك فورًا لإنقاذ تعز وإعادة الضوء إلى شوارعها وأحيائها المعتمة، أم ستظل تلتزم موقف المتفرج على مأساة مدينة يُباع فيها النور بالتقسيط، ويُترك شعب بأكمله فريسة لظلام الحرب وجشع المتنفذين؟