وطناً صُمم خصيصاً ليكون مقبرةً للأحياء .. كيف يفضّل الشباب ركوب الأمواج على ركوب وعود المليشيا؟

وطناً صُمم خصيصاً ليكون مقبرةً للأحياء .. كيف يفضّل الشباب ركوب الأمواج على ركوب وعود المليشيا؟
مشاركة الخبر:

في بلدٍ قرر فيه الزمن أن يتوقف عند محطة "تفضلوا باستهلاك أوهامنا"، لم يعد طموح الشاب اليمني مرتبطاً بوظيفة حكومية، أو بناء منزل، أو حتى شراء "دبة غاز" مباركة من السوق الرسمية. لقد ارتقى الطموح، وصار أكثر تواضعاً بكثير: أن يجد طريقة، أي طريقة، تخرجه من جنة "الأخوة المجاهدين" إلى جحيم العالم الخارجي!
فبينما تقف المليشيا الحوثية على منبر الخطابة اليومي لتخبر الرعية أنهم يعيشون في "رخاء استثنائي" يغبطهم عليه أهل السويد، يمارس الشباب هوايةً مفضلةً جديدة: حساب المسافة بين البقاء تحت سلطة الشعار وبين ابتلاع الحوت في أعالي البحار.

اقتصاد "البيروقراطية والبركات": من كيس الدقيق إلى كيس البصل
منذ أن تسلمت المليشيا مقاليد الأمور، وهي تطبق نظريات اقتصادية فذة لم يسبقها إليها لا آدم سميث ولا كارل ماركس. فالراتب – إن وجد – تحول إلى "أثر بعد عين"، أو فكرة فلسفية مجردة يتداولها الناس في المجالس كقصص الأساطير.
أما البطالة، فقد تم القضاء عليها نهائياً، ولكن بطريقة مبتكرة: تحويل الجميع إلى باحثين عن المستحيل.
هل تريد أن تعمل؟ مبروك، عليك أولاً دفع المساهمة، والتبرع للمجهود الحربي، وحضور دورة ثقافية تعزز مناعتك ضد "الفكر الضال"، وبعدها لك أن تبحث عن رغيف خبز في حاويات القمامة بكل حرية وكرامة ثورية.
أما أسعار الغاز والوقود، فهي في حالة صعود فضائي مستمر، لضمان ألا يشعر المواطن بالكسل أو الاسترخاء؛ فالشعوب الحية هي التي تمشي على أقدامها، وتطبخ بالحطب، تبركاً بالعصور الوسطى.

"عصفور في الحجاب أفضل من عشرة على الشجرة"
وعندما يتحدث المجتمع الدولي عن "عملية سلام"، تصاب المليشيا بنوبة هلع جماعية. كيف للسلام أن يحل؟ وإذا حل، فأين سيذهب منظرو "المؤامرة الكونية"؟ وكيف سيعيش تجار الأزمات إذا توقف نزيف الدم، وأغلقت دكاكين التبرعات؟
لهذا السبب، تتفنن المليشيا في عرقلة أي تسوية سياسية بحرفية مذهلة.
يُطرح مقترح لفتح طرق؟ فليكن، ولكن بعد زرع الألغام وحفر الخنادق، ليظل المواطن يشعر بمتعة الإثارة والمغامرة في كل سفرية.
يُطرح حل لرواتب الموظفين؟ يأتي الرد الفوري: "المال مال الله، والمصاريف مصاريف الجبهات، ولتشربوا من بحر صنعاء إن لم يعجبكم العجب".
الوضع المعيشي يسير بثبات نحو الأسوأ، والمليشيا في قمة سعادتها؛ لأن الشعب الجائع والمنشغل بالبحث عن لقمة العيش هو شعب لا يملك رفاهية التفكير في الثورة، أو حتى في الاعتراض على "سيدي المدير العام".

الهجرة: الملاذ الأخير نحو جنة الكفار
أمام هذا النعيم المطلق، لم يعد أمام الشباب والقاصرين سوى حزم الأمتعة، لا سيما بعد أن أيقنوا أن صلاح حال البلاد والعباد مؤجل إلى ما بعد طلوع الشمس من مغربها.
تراهم يتجهون نحو المجهول، براً وبحراً وجواً، هاربين من جحيم "العدوان" الداخلي إلى مخاوف الهجرة الخارجية. وعندما يُسأل أحدهم، وهو يركب قارباً مهترئاً، عن سبب مغامرته، يجيب بابتسامة صفراء:
"يا رجل، حتى الحيتان في البحر أرحم، وأقل طمعاً، من لجان الجبايات والتحصيل التابعة للمسيرة القرآنية!"
بهذا، يواصل شبابنا كتابة ملحمة النزوح الكبرى، تاركين خلفهم وطناً صُمم خصيصاً ليكون مقبرةً للأحياء، وملهىً سياسياً لمن لا يملكون قلوباً ولا ضمائر.