معركة الدجاج والقات .. حين تصبح المبيدات "بروتينات وطنية" والنقيع الأخضر مقدساً
حين قرع ناقوس الخطر إثر إشاعة واهية تفيد بأن الدجاج يحمل في أجنحته رذاذ المؤامرة الكونية واللقاحات المحورة جينياً، انتفض الشارع بأسره في ملحمة وطنية فريدة من نوعها؛ قاطع المواطن اللحم الأبيض، الذنب البريء، وأعلن المقاطعة الكبرى بحزم منقطع النظير، مفضلاً التجويف القسري على تجرع "السموم الداجنة".
لكن، وما إن أشرقت شمس الصباح الباكر، حتى توجه ذات المواطن بخطى حثيثة ولهفة متقدة نحو سوق القات، حيث تُغسل النبتة الطاهرة بعشرات الأنواع من المبيدات المحرمة دولياً، والكيماويات المسرطنة التي تقتل الحشرات والبشر في آن واحد.
هنا لا توجد مقاطعة، بل تهافت محموم، وتنافس محموم على رمي مدخرات العائلة تحت أقدام "الشجرة الخبيثة"، في مفارقة عجيبة تجعل عقل الإحصاء ينحني عاجزاً أمام سوريالية المشهد الاجتماعي.
مبيدات تفوق الفطرة الكونية
المهندس "صالح الحذيفي"، الخبير الزراعي، يروي قائلاً: "يا صديقي، نحن أمام معضلة فيزيائية وكيميائية تعجز عن تفسيرها مختبرات ناسا ذاتها!" مضيفاً: "نحن نرش أشجار القات بمبيدات حشرية قوية مخصصة أصلاً للقضاء على الآفات الجرادية والديدان الفولاذية، وهي مواد تترك أثراً ساماً يمتد لأشهر. العجيب أن المواطن يدرك تماماً أن هذه الشجرة مسقية بالسموم الزعاف، لكنه يبرر ذلك بقناعة راسخة أن 'السم الذي لا يقتلك يجعلك أكثر نشاطاً في مجالس السمر'. لقد استبدلوا الدجاج البريء الذي يُربى بحب، بغابة من الكيماويات الفتاكة التي تضمن للمتعاطي تذكرة مجانية وعاجلة نحو مقابر العائلة".
موت بكرامة تحت سيطرة الكيف
"بينما الموت بالدجاج موت على أيدي الكفار!"
يحتضن الحاج مبروك "حُزمة" القات بغزل صوفي لا ينتهي، بينما يرشح عرقه من أثر الكيماوي، ليقول بلا تهيب: "يا ولدي، لا تخلط الأمور؛ الدجاج يأتينا من شركات كبرى ومؤامرات خارجية، وربما وراءه لجان سرية للتحكم بالبشر! أما القات فهو رفيق الدرب وصديق الساعات العميقة. صحيح أننا نشم رائحة المبيد الفوسفوري تلسع أنوفنا مع أول 'تخزينة'، وصحيح أن أسناننا تتساقط وشراييننا تتصلب، لكنها في النهاية مبيدات بلدية خالصة، وليست لقاحات غربية مشبوهة. الموت بالقات موت بكرامة تحت سيطرة الكيف، بينما الموت بالدجاج موت على أيدي الكفار!".
أم سعيد: ضحية المصروف المهدور
ترفع أم سعيد عينيها نحو سقف الغرفة الشاهق وتقول بحسرة لا مثيل لها: "أي دجاج وأي بطيخ؟! لقد تحول بيتنا إلى فرع مفلس لبنك القات المركزي. أبو سعيد يقاطع الدجاج واللحم والفاكهة بحجة 'غلاء الأسعار' والخوف على صحة الصغار من هرمونات العصر الحديث، لكنه يخصص نصف راتبه، بل وأكثر، لجلب أكياس القات المحملة بالسرطان المبين يومياً. الأطفال يبكون لحاجة البيت، وهو يأتينا حاملاً السم الأخضر ليمضغه بصمت حتى الصباح، ثم يصحو مريضاً عليلاً، ليشكو بعد ذلك من ارتفاع أسعار الأدوية الكيميائية، وهو الذي يتجرعها طواعية في كل عصر!".
الشاب رمزي: الباحث عن الموضة الكيميائية
يضحك الشاب رمزي باستهزاء، وهو يعدل وضعية قبعته، ليصرح بلا مبالاة: "يا عم، القصة وما فيها أن الدجاجة مقطوعة وصوتها لا يدافع عنها أحد، بينما القات 'بريستيج' اجتماعي لا يمكن تجاوزه. لو أننا قاطعنا القات لانفرط عقد مجالسنا، ولتبخرت خطاباتنا الحماسية حول السياسة والدين والأخلاق التي نطلقها ونحن في أعلى درجات التسمم الكيماوي.
نحن شعب يعشق المظهر؛ فنحن نخشى من 'فيتامين' مجهول في دجاجة مجمدة، ونحتضن بكل حب برميل مبيدات زراعية مُهرّبة رُشّت حديثاً على أوراق غضة لنتبادلها في مجالسنا بفخر".
خوف مقلوب ومعايير مشلولة
يختم الحكيم العجوز عم سالم حديث المتحدثين بابتسامة حزينة قائلاً: "الخلل يا أبنائي ليس في الشجرة ولا في الدجاج، بل في عقولٍ صيامها طويل عن التفكير وإفطارها دائم على الوهم.
نحن قوم نخاف مما لا نراه، ونستهين بما نراه يقتلنا جهاراً نهاراً. الدجاجة الضعيفة تُحاكم بتهمة التآمر لأنها لا تدافع عن نفسها، بينما شجرة القات تسحرنا ببريقها الأخضر الكاذب وتسرق أموالنا وأعمارنا ونحن نشكرها. إنه خوف مقلوب ومعايير مشلولة".
الخاتمة
حين تتأمل هذا المشهد العبثي بدقة، ستدرك أن نجاتنا الحقيقية لن تأتي من لجان مراقبة الأغذية ولا من حملات التوعية التقليدية التي يكتبها موظفون ينامون باكراً، بل ستتحقق في اللحظة التاريخية التي ينقلب فيها السحر على الساحر: حين يقرر هذا الشعب أن يرتدي الدجاج معاطف الفخر والقداسة، وأن يعلن العصيان المدني الشامل على "العصارة السامة"، فيمتنع عن مضغ الورقة الخضراء الموبوءة، ويذهب لشراء دجاجة مقلية ومتبلة بكل لقاحات الأرض، مفضلاً الموت المقرمش على الحياة المختمرة بمبيدات الحشرات.
يومها فقط، سيُكتب السجل الحقيقي لصحوة أمة استبدلت ريش الدجاج بركام الموت الأخضر، لتكتشف أن عدوها الحقيقي لم يكن يوماً في المزرعة، بل في ذلك "المقيل" المظلم الذي يُباع فيه العقل والمستقبل بسعر بخس.