حقيبة بلا كتب وطفل بلا طفولة .. السباق الحوثي نحو تفريغ المدارس وحشو الجبهات

حقيبة بلا كتب وطفل بلا طفولة .. السباق الحوثي نحو تفريغ المدارس وحشو الجبهات
استمع للمقال النص المسموع تلقائي ناتج عن نظام آلي
مشاركة الخبر:

​في زمن تحولت فيه المناهج التعليمية إلى «كتالوجات» لتلغيم عقول البراعم، وتغيير وجهة الحقائب المدرسية من «علبة هندسة ودفتر رسم» إلى قنبلة يدوية وصاروخ كاتيوشا عابر للقارات، يستمر العبث الحوثي في مناطق سيطرته وكأنه في سباق محموم مع الزمن لتفريغ المدارس من طلبتها وحشو الجبهات بلحوم البشر. 
لم يعد كافياً إحراق الكتب العلمية وتعديل تاريخ الأمة، بل وصل الأمر إلى توزيع "استمارات تجنيد" عاجلة على صغار السن، وكأن الفيزياء والكيمياء ستُدرّس لهم في الخنادق عبر التلفين اليدوي والعبوات الناسفة. فإلى متى يستمر هذا النزيف العبثي الذي يلتهم زهور الأوطان على مذبح خرافة الولاية، ومن يا ترى يملك الشجاعة لوقف هذه المهزلة، وأين هم أولياء الأمور الذين تحولوا إلى متفرجين صامتين على جنازة أحلام أبنائهم؟

​"الدفتر قلم، والكتاب بندقية.. والصف الأول الابتدائي مؤهل للرتبة العسكرية!"
​أكد لنا المسؤول الإعلامي في الوزارة (بعد أن أبدل بدلته الرسمية ببدلة كاكي مرقطة) أن الوزارة قد انتهت تماماً من طباعة «المنهج الجهادي الجديد»، والذي يعتمد على حفظ أرقام متسلسلة للذخائر بدلاً من جدول الضرب. يقول: "يا عزيزي، ما فائدة لغة الضاد إذا لم يستطع الطالب فك لغة صواريخ الكاتيوشا؟ لقد ألغينا مادة الرياضات المعقدة واستبدلناها بمادة «حساب الخسائر في صفوف الأعداء». الطالب في عصرنا الحديث لا يحتاج إلى فيزياء نيوتن، بل يحتاج إلى فيزياء الانفجار والزاوية الحادة للمقذوف. نحن لا نخرب التعليم، بل نحن نختصره؛ فعوضاً عن إضاعة اثني عشر عاماً في المدرسة ليخرج الشاب عاطلاً، فإننا نختصر الطريق ونخرجه بطلاً (أو شهيداً في مقبرة الرضوان) خلال أسبوعين فقط من التعبئة المكثفة. الاستمارة المدرسية الجديدة ليست سوى استمارة ترفيع حضاري، ومن يرفضها فهو بالطبع عميل للاستعمار ومخترق للثقافة القرآنية!"

​ 
​"الطفل الذي لا يحمل قنبلة في حقيبته، هو طفل غير منضبط فكرياً!"

​يقول الأستاذ أبو كرش،.  خبير شؤون التجنيد الإلزامي للأطفال ومفتش حقائب المدارس وهو يمسح على شاربه المفتول بزهو: "بصراحة، نحن نقدم خدمة جليلة لأولياء الأمور الذين عجزوا عن تربية أبنائهم؛ فبدلاً من أن يدفع الأب مصاريف المدرسة وباص المدرس، ندفع نحن للولد «مصروف جيب» عبارة عن علبة تونا وزامل مسجل على كاسيت قديم. الاستمارة التي نوزعها على الطلاب في الطابور الصباحي هي تذكرة مرور سريعة نحو الخلود. وما العيب في أن يبدل الطفل «طاولة الفصل» بـ «دبابة متحركة»؟ نحن نصنع أجيالاً لا تصرخ من صعوبة الامتحانات، بل تصرخ «صرخة الموت» بملء أشداقها. المدرسة التقليدية كانت تصنع مفكرين ومحامين وأطباء، وهؤلاء جميعاً لا ينفعوننا في جبهات الوغى؛ المريض يمكنه أن يموت بصمت، أما المقاتل فيمكننا أن نستثمر في موته أفضل استثمار سياسي وإعلامي!"

​"كنت أطمح أن أكون مهندساً.. فصرعتني المليشيا وأصبحت «مختص ألغام»!"

​يقول الصبي أبو جندل   تلميذ في الصف السادس الابتدائي مشروع جندي طائر والذي يبدو وكأن حقيبته المدرسية أكبر منه بثلاث مرات، ويحمل قلماً حبرياً جافاً في جيبه ولكنه يعبث بصواعق حقيقية): "كنت أحلم أن أصبح مهندساً مدنياً أبني الجسور، لكن الأستاذ في المدرسة قال لي إن الجسور الحقيقية هي التي نعبرها نحو الجنة فوق أشلاء المرتزقة. أعطوني الاستمارة صباح أمس، وقالوا لي: إما أن توقع عليها وتصبح مجاهداً بطلًا، أو نضع لك علامة «صفر» في مادة التربية الإسلامية وتطردك الشياطين من المدرسة. وقعت وأنا مغمض العينين لأنني خفت من غضب المشرف. أمي بكت كثيراً عندما رأت الاستمارة، لكن أبي قال لها بصوت مرتعش: «خليه يروح، على الأقل سيوفر لنا قيمة حقيبة المدرسة ويوفر لنا صحن عشاء في العزاء»!"

​"الساكت عن الحق شيطان اخرس.. والساكت عن الحوثي ميت بلا قبر!"

​تتحدث أم أحمد وهي ولية أمر مغلوبة على أمرها (حارسة أطلال البيت)  بقلب ينفطر حسرة وهي تشير إلى كراس ابنها الصغير الممزق: "أي أولياء أمور تتحدثون عنهم؟ وهل بقي في هذا البلد أولياء أمور يملكون قراراً أو صوتاً؟ نحن لسنا سوى حاضنة بشرية لإنجاب مشاريع قتلى لصالح سادة الملازم. لو تجرأ أي أب واعترض أو رفض استمارة التجنيد المدرسية، فلن يجد نفسه إلا في سجن سري بتهمة «داعش والعمالة للاستكبار العالمي».
لقد حولونا إلى أقزام مرعوبين في بيوتنا. المدرسة التي كانت ملجأ للعلم أصبحت فرعاً لتجنيد المرتزقة الصغار. أقولها بكل قهر: لقد استبدلوا الكشكول بالبارود، وأصبحنا ننتظر أبناءنا بعد انتهاء الدوام المدرسي، لا لنستقبل شهادات التفوق، بل لنستقبل نعوشهم المحملة بالصرخات والشعارات المستوردة!"

​" أفرغوا عقول الأجيال من النور.. وحشوها ببارود العصور الوسطى!"
​يقول المعلم العجوز ناجي، معلم متقاعد يعيش على فتات الأمل والذكريات وهو ينفض غبار السنين عن نظارته الكسيرة: "يا بني، ما يحدث في مدارسنا اليوم ليس تعليماً، بل هو عملية «مسح دماغ» ممنهجة على طريقة صانعي الزومبي. الحوثي لا يريد جيلاً يفكر أو يقرأ أو يناقش؛ هو يريد قطيعاً من الببغاوات المسلحة التي تردّد ما تؤمر به دون تفكير.
التعليم في عصره سقط في قاع الجحيم. عندما ترى طفلاً لم يبلغ الحلم بعد، يمسك استمارة تجنيد بدل القلم، فاعلم أن الدولة قد ماتت وأن الوطن قد تحول إلى ثكنة عسكرية كبرى. العجب ليس في جنون الحوثي وتصرفاته الهوجاء، بل في صمت هذا الشعب الذي استسلم للموت البطيء وكأن الأمر لا يعنيه، وكأن دماء أطفالهم مجرد حبر رخيص يكتبون به تاريخ زعامتهم المزعومة!"

​الختام 
​في النهاية، يبدو أن مشروع التعليم في مناطق سيطرة مليشيا الحوثي يسير بخطى حثيثة نحو "العصر الحجري المتقدم جداً"؛ حيث لا داعي لتأسيس جامعات ولا داعي لمختبرات علمية، يكفي أن تفتح ورشة لتفصيل البدلات العسكرية بحجم الأطفال ومطبعة لطباعة استمارات الموت المبكر. وإذا استمر هذا العبث بهذا الإيقاع المرعب، فلن يمر عقد من الزمن حتى نكتشف أن المعلمين قد تم ترقيتهم إلى رتب "فريق أول ركن بقايا"، وأن الفصول الدراسية قد تحولت إلى مخازن للصواريخ الباليستية المزركشة بآيات الجباية والخُمس. أما أولياء الأمور، فلا داعي لومهم؛ فقد استبدلوا مجالس الآباء بمجالس العزاء، وباتوا يفاخرون بعدد الأبناء الذين استُشهدوا وهم يبحثون عن طباشير في حقل ألغام. هنيئاً لليمن بهذا الجيل الجديد من "الأطفال الجنرالات"، وعظّم الله أجر العلم والتعليم في مدرسة "من رضي بالظلم فقد استحق إعانة الموت المجاني"!