رحلة العمر إلى "العبر" .. ادفع عمرك مهراً، وارجع إلى أهلك في "كيس بلاستيك" مع إعفاء جمركي من العفش!
إذا كنت مغترباً تعباً، جمعت قروشاً سوداء لبيضاء على مدى سنين الغربة المذلة، وتراودك أحلام رومانسية ساذجة عن العودة إلى الوطن لرؤية أمك العجوز، أو إعلان زواجك وسط أهلك وأحبابك، فإليك النصيحة الذهبية: غيّر وجهتك إلى أي مكان في العالم، إلا إذا كنت تملك رغبة جامحة في تجربة قصور العدالة الأرضية على طريقة "العبر" الشهيرة!
منطقة "العبر"، تلك البقعة الجغرافية السحرية الواقعة على خط السير، التي تحولت، بقدرة قادر، إلى "منتجع ترفيهي" شبه مجاني لمن هب ودب من قطاع الطرق وعشاق القتل والنهب. هناك، لا داعي للقلق بشأن هدايا السفر ولا وزن الحقائب؛ فاللصوص الأشاوس سيتكفلون بتفريغ حقائبك، وتفريغ محفظتك، وربما تفريغ رأسك أيضاً.. خدمة شاملة وجاهزة على مدار 24 ساعة!
تفاصيل الرحلة: كيف يُستقبل "العريس العائد" على طريقة الباشوات؟
السيناريو يتكرر بانتظام مبهج يدعو إلى السرور، وكأن العصابات تستخدم "غوغل ماب" الخاص بالضحايا:
الوصول والاستقبال: يصل المغترب المغلوب على أمره، ممتلئاً بالشوق والأغاني الوطنية الحماسية التي تذكّره برائحة التراب.
الكمين الديمقراطي: قبل أن يكمل جملته الشهيرة: "يا عيال، قربنا نوصل"، تنهمر الرصاصات كالبرد، ليس لسبب شخصي، بل حباً في إحياء التقاليد المحلية لقطاع الطرق.
التفتيش السريع: بعد إتمام عملية "الإزالة المؤقتة أو الدائمة" للحياة، تُفتَّش الجثة والسيارة بكفاءة عالية لا تملك إلا أن تحترمها؛ فلا يُترك درهم، ولا ساعة يد، ولا حتى "خاتم الخطوبة" الذي كلّف المغترب ثلاثة أشهر من العمل الإضافي في الخارج.
التحقيق العبثي: أين "الدولة"؟ أم أنها تشاهد من "المقعد الخلفي"؟
السؤال الذي يطرح نفسه، بغباء شديد، كلما وقعت جريمة: "أين الدولة؟ أين الأجهزة الأمنية؟ وأين خطط الطوارئ؟"
الحقيقة المُرّة التي يجب أن نصارح بها الجميع هي أن اتهام الدولة بـ"النوم" اتهام مجحف وغير منصف بحقها! الدولة ليست نائمة.. الدولة في غيبوبة سريرية عميقة، أو ربما في إجازة مفتوحة مدفوعة الأجر منذ قرن من الزمان!
وجهة نظر حكومية محتملة: ربما تعتبر الحكومة أن ما يحدث في "العبر" هو شكل من أشكال "تحفيز الاقتصاد الداخلي"، وتدوير رأس المال عبر نقل الأموال من جيوب المغتربين الأغبياء إلى جيوب قطاع الطرق الأذكياء!
الحلول السحرية الغائبة
لماذا لا تعمل الدولة حلاً؟ لأن الحلول تحتاج إلى "رجال دولة"، بينما الموجودون حالياً مشغولون جداً باختراع إحصائيات وهمية عن استتباب الأمن، أو ربما مشغولون بعدّ الكراسي. الحل البسيط المتمثل في تأمين الخط الدولي بنقاط أمنية حقيقية وجادة يُعد معجزة هندسية وعسكرية تعجز عنها أكبر الجيوش، لأن وضع نقطة أمنية هناك يعني حرمان الشباب العاطلين عن العمل من ممارسة هوايتهم المفضلة في "صيد المغتربين".
توصيات للمغتربين والباحثين عن الانتحار المجاني
إذا كنت مصمماً على زيارة أهلك عبر خط "العبر"، فنحن نقترح عليك إضافة البنود التالية إلى برنامج سفرك لضمان تجربة مميزة:
تجهيز الوصية مسبقاً، وتحديد لمن تترك ديونك، لأن أموالك السائلة ستكون قد صُرفت بالفعل لصالح العصابة.
ارتداء واقٍ من الرصاص، حتى لو كان مصنوعاً من الورق المقوى، فعلى الأقل سيمنحك إحساساً وهمياً بالأمان قبل لحظة الوداع.
تغيير العنوان: اطلب من أهلك إقامة "عزاء دائم" على روحك منذ لحظة حجز التذكرة، لتوفير وقت الصدمة لاحقاً!
أما عن الدولة، فنرجو ألا تزعجوها.. فهي منشغلة جداً الآن بالتخطيط لمؤتمرات "مكافحة الجريمة وحقوق الإنسان"، فلا داعي لإفساد مزاجهم بمثل هذه التفاصيل الصغيرة عن أرواح تُزهق وأموال تُنهب كل يوم في وضح النهار!