كيف تحولت مرتبات الجنود إلى "بقرة حلوب" لسماسرة الحروب؟
حين يتجرأ قائد لواء عسكري على تحويل قوت أفراده المرابطين في جبهات الموت إلى "حساب شخصي" يغذّيه الولاء والابتزاز، فإننا لسنا أمام مجرد مخالفة إدارية عابرة، بل أمام سقوط أخلاقي ووطني مدوٍ.
لقد ظلت مرتبات الجندي اليمني لسنوات طويلة "البقرة الحلوب" التي يقتات عليها سماسرة الحروب، وتُختزل تضحيات المؤسسة العسكرية في دفاتر وهمية وأسماء مستعارة تذهب أرباحها لصالح كروش لا تشبع.
وما كشفه بيان وزارة الدفاع مؤخراً حول تمرد بعض قادة الوحدات على آلية "البطاقة الذكية" ورفضهم تسليم رواتب الأفراد يدوياً ومباشرة، ليس سوى قمة جليد الفساد المستشري في بنية بعض مفاصل الجيش.
هؤلاء الذين صدمهم قرار قطع دابر النهب، لم يكتفوا برفض النظام الجديد، بل تجاوزوا ذلك إلى إطلاق التهديدات واستخدام مفردات سوقية بحق القيادة، متخذين من جبهات القتال "شماعة" رخيصة للضغط والابتزاز.
أين تكمن الجريمة؟
الجريمة الحقيقية لا تكمن فقط في تأخير صرف مرتبات شهر أبريل بحجة كشوفات التمام اليومي، بل في المبدأ المشؤوم الذي يؤسس له هؤلاء القادة: "أن الجندي مجرد رقم في كشف مالي تُموّل منه إمبراطورياتهم الخاصة".
التهرب من التمام اليومي يعني بوضوح استمرار ظاهرة "الأسماء الوهمية" التي تُصرف رواتبها لجيوب أمراء الحرب والمنتفعين، بينما يئن الجندي الحقيقي تحت خط الفقر والجوع.
لصوص في وضح النهار بلا رادع!
إن ما يمارسه هؤلاء المتمردون يقع تحت طائلة الخيانة العظمى. القائد الذي يبيع كرامة جنديه ويساوم على لقمة عيشه من أجل حساب بنكي أو مصلحة ضيقة، هو "لص في وضح النهار" لا يقل خطراً عن العدو في متارس المواجهة. والأسئلة التي تفرض نفسها بإلحاح على الشارع اليمني والعسكري:
إلى متى ستستمر سياسة المماطلة في معاقبة هؤلاء اللصوص؟
لماذا لا تُشهر قرارات العزل الفوري والمحاكمة العسكرية بحق كل من يتطاول على معيشة الجندي أو يرفض النظام المالي للدولة؟
ختاماً..
إن معركة وزارة الدفاع اليوم لفرض البطاقة الذكية ليست مجرد إجراء فني، بل هي معركة وجود حقيقية بين قيادة تسعى لترسيخ الدولة وقانونها، وبين شبكات لصوصية اعتادت على العبث بدماء وأقوات الأبطال.
الحل لم يعد يتحمل انصاف الحلول؛ فإما ضربة حديدية تعزل كل متطاول ومبتز وتودعه قفص العدالة، وإما السلام على ما تبقى من شرف العسكرية اليمنية.
إن العدالة الناجزة وحدها هي الكفيلة بأن تعيد الاعتبار للبندقية الطاهرة، وتحرق أصابع كل من تُسول له نفسه المتاجرة بأوجاع المؤسسة العسكرية.
خلاصة القول، إن هؤلاء "الجنرالات" لا يقاتلون على ثغور الوطن بل على ثغور حساباتهم البنكية، ولا تهمهم متارس الجبهات بقدر ما تهمهم متارس الكروش الممتلئة. لقد تعودوا على أن يكون الجندي مجرد شبح في الميدان ورقم ذهبي في كشوفاتهم الوهمية، فجن جنونهم حين أفاقت الوزارة على صوت جياع اليمن وقررت قطع حبل المشنقة عن رقابهم ببطاقة ذكية. فتباً لقائد يرهبه رقم سري في بطاقة إلكترونية، ويهتز عرشه الوهمي لأن الحارس البسيط سيستلم راتبه كاملاً غير منقوص. إنهم باختصار: أبطال في الميكروفونات، وعمالقة في النهب، وأقزام أمام القانون. وإذا لم تُعلق نجومهم العسكرية على حبل المشنقة بدلاً من أكتافهم، فاقرأ السلام على دولة تُحاكم فيها اللصوصية بـ"وجه متبسم". فليعزلوا اليوم قبل الغد، لعلهم يجدون لهم دكاناً في سوق الحراج يمارسون فيه ابتزازهم، بعيداً عن دماء الشرفاء وأرواح الأبطال.