الطاقة الشمسية حق لا رفاهية.. إلغاء الجمارك والضرائب مطلوب لإنقاذ البيوت
في الوقت الذي تتسابق فيه وكالات الفضاء العالمية لاكتشاف الطاقة المظلمة في أعماق الكون، يعيش المواطن اليمني في "عاصفة" من نوع فريد، حيث لا يحتاج إلى تلسكوب ليكتشف الظلام، بل يكفي أن يفتح عينيه في صالة بيته ليجد نفسه وسط لوحة سريالية تنبض بالحر والرطوبة التي تنافس طقس الغابات الاستوائية.
أصبحت المعادلة المقدسة واضحة وبسيطة: ثماني ساعات طفي، وساعتان لاصي! معادلة رياضية تعجز أمامها خوارزميات الذكاء الاصطناعي، لكنها "مضبوطة" بساعة يد الجابي الذي لا يخطئ دقيقة واحدة في قطع التيار، وكأن المولدات تعمل بنظام التوقيت الذري السويسري.
صراع الأجيال مع المروحة الميتة
يبدأ يوم المواطن البائس، الذي قرر أن يظل حياً رغم أنف الظروف، برياضة جليلة تُعرف بـ"صفقة المروحة".
الساعة الأولى من النور (ساعتان): تجد العائلة كلها في حالة طوارئ قصوى تشبه إطلاق صاروخ عابر للقارات. الأب يركض لشحن الهواتف، والأم تهرع لتشغيل الغسالة قبل أن يباغتهم القاطع، والأطفال يتناوبون على الوقوف أمام الثلاجة المفتوحة وكأنهم يستدفئون في القطب الشمالي، متمنين لو أن الثلاجة تتحول إلى غرفة نوم مكيفة.
ساعة الانهيار: وما إن يندمج الجميع في حلم تبريد بسيط، حتى تُطلق صافرة الإنذار الوهمية، وينطفئ النور في "ثانية واحدة" بدقة قاسية، لتتحول الشقة إلى صندوق ساونا طبيعي.
المكيف الروحي: المسؤولون، من جهتهم، وفي لفتة عبقرية تعكس عمق التفكير الاستراتيجي، ينصحون المواطنين دائماً بـ"ترشيد الاستهلاك". ويبدو أنهم يدرسون قريباً إطلاق مبادرة "المكيف الروحي"، بحيث يتخيل المواطن نسمة عليلة بينما يسيل العرق من جبينه بغزارة، فالنية وحدها تكفي للتبريد!
القيادة السياسية والوعد البلاتيني: "اصبروا حتى يأكل الذئب القطيع"
القيادة السياسية والمسؤولون يطلون علينا بين الحين والآخر عبر الشاشات بوجوه مترفة وابتسامات عريضة، ليحدثونا عن "الحلول الاستراتيجية الكبرى" و"المشاريع العملاقة" التي ستغير وجه الطاقة في البلاد... تماماً كما يعدك بائع اللقلق ببناء قصر من السحاب.
يزرعون الأمل في قلوبنا بملعقة شاي، ويحصدون خيبة أملنا بمحراث جرافة! وكلما طالبنا بحل حقيقي، فاجؤونا بقرار اقتصادي عبقري يتمثل في "رفع تكلفة الاستهلاك".
فلسفة رفع الأسعار
ترى الحكومة أن رفع سعر الكهرباء سيشجع المواطنين على ترشيد الاستهلاك. وبما أن المواطن فقير جداً لدرجة أنه لا يملك أصلاً ما يستهلكه، فقد قرر التجار، بدورهم الشريف، رفع أسعار كل شيء، ابتداءً من علبة الكبريت وحتى رغيف الخبز، لأن "تكلفة النقل والتبريد" ارتفعت. وكأن التاجر يرى أن بطون المواطنين هي المستودع الرئيسي لتمويل عجز الموازنة العامة!
الحلول الحقيقية المقترحة
بما أن الحلول الهندسية الحقيقية صعبة المنال، على ما يبدو، فإننا نقترح على المسؤولين حزم الحلول العملية التالية لتوفير الوقت والجهد:
- تحويل المواطنين إلى محطات طاقة متجددة:لماذا لا يتم ربط دراجات هوائية (بسكليتات) بكل منزل، بحيث يضطر أفراد العائلة إلى التناوب على التبديل لتوليد الكهرباء اللازمة لتشغيل مروحة سقف واحدة؟ هكذا نجمع بين الرياضة وتوفير الطاقة.
- استثمار الرطوبة والحرارة: بناء محطات طبخ جماعية تعتمد على حرارة الجو مباشرة، لتوفير غاز الطبخ، وبذلك نتحول إلى دولة مصدرة للطاقة الحرارية الرطبة!
- إصدار جواز سفر للمكيفات: لأن المكيف أصبح قطعة أثرية نادرة، يجب وضع حراسة أمنية مشددة حوله، ومنحه جواز سفر دبلوماسي، لأنه يُعامل معاملة الشخصيات المهمة جداً التي لا تظهر إلا في المناسبات الكبرى.
الخاتمة:
عندما تعجز الدولة عن إنارة البيوت، فلتكف عن إغراقها في الظلام والجبايات.
إن معادلة العذاب اليومية بين جحيم الحر وظلام الثماني ساعات لم تعد تحتمل مزيداً من الترقيع والوعود الزائفة. وأمام عجز مؤسسات الدولة الفاشلة عن توفير أبسط حقوق المواطن في الكهرباء، بات لزاماً اتخاذ قرارات شجاعة وعاجلة ترفع هذا الكابوس عن كاهل الناس، وأولها:
- إلغاء الجمارك والضرائب تماماً عن منظومات الطاقة الشمسية وملحقاتها، لتعود سلعة أساسية في متناول كل مواطن بسيط، لا ميزة حصرية تقتصر على طبقة الأغنياء والتجار وحدهم.
- تحمل الدولة مسؤوليتها القانونية والأخلاقية في دعم وتزويد المنازل بمنظومات الطاقة الشمسية مجاناً أو بالتقسيط المريح، طالما أنها أعلنت فشلها الذريع، وعجزت طوال السنين عن مد خطوط النور إلى البيوت.
- إلغاء واجتثاث احتكار واشتراكات "المولات" والمنشآت التجارية الكبرى التي تلتهم حصص الطاقة المتاحة، مع توجيه أي فائض أو ترشيده لصالح صغار المواطنين والأحياء السكنية المكتظة.
لكننا، بكل أسف، نقولها ونحن نعلم يقيناً أننا نحرث في البحر؛ فلدينا وزير وقيادات "أذن من طين وأخرى من عجين"، لا يطرف لهم جفن لصرخات الجياع، ولا تحركهم حرارة الصيف ولا الرطوبة الخانقة، وكأنهم يعيشون في كوكب آخر، تُكيَّف قاعاته الوفيرة على برودة الصمت والتجاهل. وحين تصم الجهات المسؤولة آذانها عن وجع الشعب، لا يبقى للمواطن سوى أن يعتمد على سواعده، بانتظار يوم يفقه فيه هؤلاء أن عروشهم المصنوعة من كراسٍ وهمية لن تمنع نار الغضب من الاشتعال.