وين اليمن وين؟
وين اليمن وين؟ وين ضيعناها؟ كانت داخل العين.. لكن تركناها. أبكي على صنعاء، وشارع السبعين، ودمعي على الأحداث يجرح كالسكين.
ليس هذا بكاء شاعرٍ على مدينة، ولا حنين مسافرٍ إلى بيتٍ قديم، بل هو صوت وطنٍ أنهكته السنوات، حتى أصبح السؤال الذي يتردد في صدور اليمنيين جميعًا: وين اليمن وين؟
أين اليمن الذي كنا نراه في ضحكات الأطفال؟ أين اليمن الذي كانت الطرق فيه تقود إلى الأحبة لا إلى نقاط الخوف؟ أين الأسواق التي كانت تضج بالحياة، والمزارع التي كانت تفيض بالخير، والجامعات التي كانت تصنع الأحلام، والمدارس التي كانت تزرع الأمل في قلوب الأجيال؟
لقد كانت اليمن داخل العين، نحملها في تفاصيلنا الصغيرة، في لهجاتنا، وفي رائحة البن، وفي أذان الفجر، وفي أصوات الباعة، وفي المجالس التي لا تعرف سوى الكرم والمحبة. كانت وطنًا يتسع للجميع، ثم جاءت سنوات القسوة، فتغير كل شيء.
مرت الأعوام ثقيلة، حتى أصبح الطفل يعرف صوت الانفجار أكثر مما يعرف صوت جرس المدرسة، وأصبحت الأم تخاف على أبنائها في كل لحظة، وأصبح الأب يحمل هموم الحياة فوق كتفيه وهو يبحث عن لقمة العيش وسط ظروف لا ترحم.
أبكي على صنعاء لأنها ليست مجرد عاصمة، بل ذاكرة وطن بأكمله. أبكي على شوارعها القديمة، وعلى أبوابها التاريخية، وعلى الأزقة التي حفظت خطوات أجيال متعاقبة. أبكي على شارع السبعين، الذي مرّت عليه أفراح اليمنيين وأحزانهم، وشهد سنوات الرخاء كما شهد سنوات الألم.
وأبكي على عدن، مدينة البحر التي كانت تستقبل الجميع بابتسامتها، وعلى تعز التي دفعت ثمنًا باهظًا، وعلى الحديدة التي اشتاقت إلى هدوء أمواجها، وعلى مأرب التي احتضنت ملايين النازحين، وعلى الضالع وإب والبيضاء وحضرموت وشبوة وصعدة والجوف والمهرة وأبين ولحج وريمة والمحويت وحجة وذمار وعمران وسقطرى. فما من محافظة إلا وتركت الحرب في قلبها أثرًا لا يُنسى.
لقد دفع اليمنيون جميعًا الثمن؛ لا غالب خرج من الحرب سعيدًا، ولا أسرة إلا ومرّ عليها وجع، ولا بيت إلا وغاب عنه قريب، أو تعطلت فيه حياة، أو تأجل فيه حلم.
كبرت أحلامنا وهي تنتظر نهاية هذا الليل الطويل. تأخر الشباب عن بناء مستقبلهم، وتعثرت المشاريع، وتوقفت المصانع، وغابت فرص العمل، وهاجر كثيرون بحثًا عن حياةٍ أكثر أمنًا. ومع ذلك بقي اليمني متمسكًا بالأمل.
وين اليمن وين؟
هي ليست مجرد كلمات تُقال، بل صرخة شعب تعب من الانتظار، وتعب من الانقسام، وتعب من أن يرى وطنه يدفع ثمن الصراعات عامًا بعد عام. إنها دعوة لأن نتذكر أن اليمن أكبر من خلافاتنا، وأبقى من صراعاتنا، وأن الأوطان لا تنهض إلا عندما يلتقي أبناؤها حول مستقبل واحد.
لقد علمتنا السنوات الماضية الكثير. وما يحتاجه اليمن اليوم هو أن يستعيد إنسانه أولًا، وأن تعود مؤسساته للعمل، وأن يعود التعليم، والاقتصاد، والخدمات، وأن يشعر المواطن بأن الوطن يحتضنه من جديد.
ورغم كل هذا الألم، ما زال في القلب يقين لا يموت. سيأتي يوم تعود فيه الابتسامة إلى وجوه الأطفال، وتعود المدارس تمتلئ بالطلاب، وتعود الطرق مفتوحة بين المدن، وتعود الأسواق مزدحمة بالحياة، ويعود اليمن كما يستحق أن يكون.
سيأتي يوم نمشي فيه في صنعاء وعدن وتعز والحديدة ومأرب وكل مدن اليمن، لا نحمل في قلوبنا سوى الفرح، وننظر إلى سنوات الحرب على أنها درس قاسٍ لن يتكرر بإذن الله.
وين اليمن وين؟
هي هنا... في قلوب أبنائها الذين لم يفقدوا الأمل. هي هنا... تنتظر من يرفعها فوق كل خلاف. هي هنا... تنادي أبناءها أن يعودوا إلى صوت الحكمة، وإلى قيمة الإنسان، وإلى معنى الوطن.
كانت داخل العين، وستبقى داخل العين. مهما طال الغياب، سيبقى اليمن أكبر من الألم، وأقوى من الجراح، وأجمل من كل ما مرّ به.