المشهد اليمني الساخن: قراءة جيوسياسية أولية للأوضاع السياسية والعسكرية
أولاً: طبيعة الأوضاع السياسية وانعكاساتها على المشهد اليمني
اعترى المشهد اليمني خلال العامين الماضيين تحولات جوهرية، أبرزها إنهاء الانقسام الجنوبي في مطلع يناير 2026، حيث تمكنت الحكومة الشرعية -بدعم سعودي- من بسط سيطرتها الكاملة على كامل المحافظات الجنوبية، منهية بذلك حالة التشرذم السابقة وتوحيد القرار السياسي والعسكري و هذا التحول الاستراتيجي عزّز من وحدة الصف الحكومي، و إزال التشتت في القرار العسكري والسياسي للحكومة و مجلس القيادة الرئاسي، مما وحد جميع الجهود الداعمة لعودة الشرعية ضد الميليشيا الحوثية للوصول الى تحرير العاصمة صنعاء.
· أعاد ترتيب التحالفات الإقليمية، لتصبح السعودية الطرف الإقليمي الأبرز، مقابل تراجع النفوذ الإماراتي، وركزت الرياض على دعم الحكومة في ملفي إعادة الإعمار وتقديم الخدمات لكسب الشرعية الشعبية.
· فتح الباب أمام تحالفات جديدة، حيث برز دور تركيا وباكستان ومصر كداعمين للشرعية، مقابل الكتلة الإيرانية الداعمة للحوثيين.
ثانياً: الاستعدادات العسكرية والميدانية للحكومة الشرعية
تؤكد المؤشرات أن الحكومة اليمنية دخلت مرحلة جديدة من الجاهزية العسكرية غير المسبوقة:
· تعزيز القدرات البشرية واللوجستية: تضاعف قوام القوات الحكومية والتشكيلات المساندة (كـ"درع الوطن" و"ألوية العمالقة") و غيرها باعداد كبيرة عما كانت عليه سابقا، مع تأهيل بعض المقاتلات الحربية والقوات البحرية وامتلاك سلاح المسيرات، ورفع الجاهزية والتدريب في مختلف الجبهات.
· الاستعداد للمواجهة الشاملة: وصف المراقبون الجيش اليمني بأنه أصبح جاهزاً لأي معركة عسكرياً ولوجستياً، بعد سنوات من التحديث والتدريب المكثف، مع توفر الإسناد الجوي السعودي.
· التحدي الأكبر: لا يزال يحتاج إلى قرار سياسي وعسكري موحد ودعم خارجي مستدام لشن هجوم بري واسع، خاصة على المدن الاستراتيجية كـالحديدة والبيضاء وإب، نظراً لتعقيدات المشهد الإنساني والسياسي.
ثالثاً: التحركات الإقليمية والدولية وتأثيرها على الأزمة
اتسعت رقعة التدخلات الخارجية، محولة اليمن إلى ساحة صراع إقليمي مفتوح:
1. البعد الإيراني:
· تسعى إيران لتحويل اليمن إلى "مخلب قط" وذراع رئيسي متكامل التجهيز، عبر إنشاء شبكة تهريب واسعة مع الحوثيين، ونقل تكنولوجيا الصواريخ والطائرات المسيّرة والزوارق المفخخة وغيرها وجعل الحوثيين رقما صعبا ومهددا للملاحة الدولية والتي اثبتت قدرتها خينما استهدفت يوم امس الثلاثاء سفينة تجارية هندية واغرقتها في البحر الأحمر.
· تستخدم باب المندب كورقة ضغط إقليمية موازية لمضيق هرمز، مما يجعل اليمن جزءاً من استراتيجية إيران التفاوضية في المنطقة.
2. التهديد البحري:
· أصبح الحوثيون قادرين على رفع مستوى التهديد و تعطيل الملاحة الدولية في البحر الأحمر وباب المندب، مما يرفع تكاليف التأمين والشحن بنسبة تتجاوز 200% عما كانت عليه من ارتفاع سابق، محققاً تأثيراً سياسياً واقتصادياً يتجاوز قدراتهم العسكرية المباشرة.
3. الموقف الأمريكي:
· يظل عاملاً مؤثراً لكنه متردد؛ فبينما تقدم واشنطن دعماً سياسياً ولوجستياً للحكومة، فإنها تعوق أحياناً عمليات عسكرية حكومية خشية توسع رقعة النزاع وإشعال جبهات جديدة مع إيران.
رابعاً: تأثير خفض التصعيد بين واشنطن وطهران على اليمن
على الرغم من أن التفاهمات الاولية بين الولايات المتحدة وإيران -الذي تم التوسط فيه بوساطة باكستانية و عمانية وقطرية- والذي كان يهدف إلى تهدئة المنطقة، إلا أن هذه التطورات لم تؤدي الى انتهاء التصعيد وتداعيات المراوحة بين التصعيد و التهدئة دوم الوصول الى تفاهمات جديدة يمكن البناء عليه لحالة استقرار إقليمي و ما يترتب على ذلك في المشهد اليمني الذي يشهد شبكة معقدة من التداخلات منها:
· فرصة سياسية لم تُستثمر: رأى المبعوث الأممي هانس غروندبرغ في هذا الاتفاق فرصة لإحياء العملية السياسية المتوقفة، داعياً الأطراف لاغتنام الزخم، لكن سرعان ما تبخرت الآمال.
· انهيار سريع وعودة للتصعيد: تعرضت مذكرة التفاهم للانهيار، وعادت واشنطن وطهران للاشتباك غير المباشر في اليمن، مما وسع رقعة الصراع وزاد من تعقيده.
· تهديدات حوثية جديدة: استغل الحوثيون فشل الاتفاق لتهديد بإغلاق باب المندب بشكل كامل، محولين اليمن إلى ساحة ضغط مباشرة في الصراع الإقليمي.
خامساً: الوساطات الإقليمية وتحالفات الموازنة
في ظل تراجع فعالية الدور الأمريكي، برزت أدوار إقليمية و اممية جديدة لإعادة تشكيل موازين القوى:
1. الوساطة الخليجية والاممية:
· قادت السعودية جهوداً دبلوماسية مكثفة، بالتعاون مع سلطنة عُمان و قطر والمبعوث الأممي هانس غروندبرغ، لإحياء الهدنة وإقناع الحوثيين بالعودة إلى طاولة الحوار، مع تقديم حوافز اقتصادية وإنسانية.
· طرحت الرياض مبادرة سلام جديدة تتضمن فتح مطار صنعاء وميناء الحديدة مقابل وقف التصعيد العسكري، لكنها لم تجد قبولاً حوثياً كاملاً وكذلك ميادرة الاردن بتسيير رحلات الى مطار صنعاء ورفضته مليشيات الحوثي.
2. الدور التركي - الباكستاني:
· برزت مؤشرات عملية على تحالف إقليمي جديد يضم السعودية، باكستان، تركيا، و مصر ككتلة موازنة للنفوذ الإيراني والتغول إلاسرائيلي، حيث قدمت أنقرة وإسلام آباد دعماً سياسياً ويمكن أن يكون لوجستياً للحكومة الشرعية.
· قادت السعودية تشكيل تحالف بحري من 14 دولة (يشمل باكستان، تركيا، والدول الغربية المشاطئة للبحر الأحمر مع دولا خليجية وافريقية و اسيوية) لحماية الملاحة في البحر الأحمر و مضيق باب المندب، كرد على فشل مهمات سابقة مثل "اسبيدوس" و "حارس الازدهار".
سادساً: واقع الحكومة والحوثيين في ظل المتغيرات الراهنة
الحكومة الشرعية:
· تحاول استغلال الدعم السعودي الكبير (الذي تجاوز مليار دولار في الربع الأول من 2026م) لتحقيق انتعاش اقتصادي، عبر إقرار موازنة 2026م و إصلاحات نقدية ساعدت في استقرار الريال نسبياً ومحاولة اعادة تصدير النفط بحوالي خمسين ألف برميل يوميًا.
· تواجه تحديات في بسط هيبتها كاملة، خاصة في المناطق المحررة حديثاً، مع صعوبات في تقديم الخدمات الأساسية.
الحوثيون:
· يمتلكون مليشيات مدربة تقدر بـحوالي
200 ألف مقاتل، وقدرةكبيرة على مزيد من التعبئة لرجال القبائل، و ما ميز هذه المليشيات وجود قيادة مركزية تسمح باتخاذ قرارات ميدانية سريعة اذا تطلب الامر.
· يعانون من تحديات إمداد بسبب الرقابة على المنافذ، لكنهم متمسكون بـ"وجودهم" كقوة مسلحة، مما يجعل الحل السياسي معهم معقداً للغاية.
· يستغلون ورقة التصعيد البحري كورقة ضغط رئيسية لإبقاء أنفسهم في دائرة الاهتمام الإقليمي.
سابعاً: التحديات الاقتصادية والإنسانية وأثرها على الداخل اليمني
على الرغم من التحولات السياسية، لا تزال الأوضاع الاقتصادية والإنسانية بالغة السوء:
· الانهيار الإنساني: أكثر من 22 مليون شخص بحاجة للمساعدة، ولا يزال الحرمان الغذائي الشديد يلاحق ثلث الأسر، مع تفاقم أوضاع النازحين.
· فجوة التمويل: تواجه الأمم المتحدة أسوأ فجوة تمويلية منذ عقد، مما يهدد استمرار برامج الإغاثة، وسط تجاهل دولي متزايد.
· الإصلاحات غير الواقعية: تعتمد خطة التعافي الحكومية على توقعات إيرادات تضاهي ضعف ما تم تحصيله فعلياً عام 2024، مما يثير التشكيك في جدواها وقدرتها على سد الفجوة.
· تداعيات التهديد البحري: أدى ارتفاع تكاليف الشحن والتأمين إلى خنق الاقتصاد اليمني المعتمد على الاستيراد، فارتفعت أسعار السلع الأساسية بشكل جنوني.
ثامناً: السيناريوهات المحتملة واتجاهات المرحلة المقبلة
تتأرجح التوقعات بين ثلاثة مسارات رئيسية:
السيناريو الأول: استمرار التصعيد المحسوب
· المراوحة في الردود المتبادلة وإثبات نقاط القوة دون الانزلاق لحرب شاملة.
· بقاء باب الوساطات مفتوحاً، مع استمرار الجهود الخليجية والدولية لخفض التوتر.
· استمرار التهديدات البحرية كأداة ضغط دون الوصول لمواجهة مفتوحة.
السيناريو الثاني: الانزلاق إلى مواجهة شاملة
· حرب واسعة تعيد رسم خريطة السيطرة، مع مخاطر توسع النيران إلى البحر الأحمر وخارجه.
· تدخل مباشر أو غير مباشر من الأطراف الإقليمية (إيران، السعودية، تركيا)، مما يحول اليمن إلى ساحة حرب إقليمية مفتوحة.
· تداعيات إنسانية كارثية قد تطيح بكل المكتسبات السياسية السابقة.
السيناريو الثالث: عودة المفاوضات الجادة
· نجاح جهود الوساطة (بضغط دولي وإقليمي) للوصول إلى تسوية سياسية شاملة.
· هذا السيناريو يبدو الأصعب في ظل استمرار الحوثيين في استراتيجية التصعيد، وتمسكهم بالمكاسب الميدانية كورقة تفاوضية.
· يتطلب تراجعاً إيرانياً عن استخدام اليمن كورقة ضغط، وقبولاً حوثياً بوقف التصعيد، وهي عقبات كبيرة في ظل تعقيد المشهد الإقليمي.
و الخلاصة ان اليمن يمر بمرحلة مفصلية هامة، حيث تتشابك العوامل الداخلية (الوحدة الداخلية، الاداء الحكومي، الجاهزية العسكرية، الأزمات الاقتصادية والإنسانية...الخ) مع المتغيرات الإقليمية (التنافس السعودي-الإيراني، التحركات التركية-الباكستانية، التردد الأمريكي) في مشهد معقد ومتقلب ولهذا فإن مستقبل اليمن بات رهناً بقدرة الأطراف الإقليمية على إدارة صراعها بعيداً عن أراضيه، وقدرة الحكومة الشرعية على تحويل التفوق السياسي والعسكري إلى مكاسب ملموسة على الأرض يقوي مركزها ويفرض شروطها في اي تسوية سياسية شاملة، وسط تحديات إنسانية واقتصادية تهدد بانهيار الدولة إن لم تُجدَ حلول جذرية وسريعة،
فاليمن اليوم ليس مجرد أزمة محلية، بل هو ساحة اختبار لمستقبل النظام الإقليمي.
أكاديمي ومحلل سياسي يمني
جامعة تعز