بناء الديمقراطية من الداخل: استراتيجيات ما بعد الصراع والشمولية

منذ 4 ساعات
مشاركة الخبر:

لا يمكن استيراد الديمقراطية كتكنولوجيا، بل يجب بناؤها من الداخل بما يتناسب مع السياقات التاريخية والاجتماعية والسياسية لكل بلد. هذا هو المبدأ الأساسي الذي يجب أن يسترشد به أي مسار نحو التحول الديمقراطي، خاصة في الدول التي خرجت من صراعات مدمرة أو أنظمة استبدادية، مثل السودان.

إن السؤال المطروح حول كيفية جعل دول مثل السودان "أكثر شبهاً بالديمقراطيات الغربية" هو سؤال يبدأ من فرضية خاطئة. فالديمقراطيات الغربية نتاج تاريخ طويل ومعقد من الثورات، والصراعات، والتحولات الاقتصادية والاجتماعية. الدول التي تعاني من آثار الاستبداد والعنف والحروب تمتلك تجارب مختلفة تماماً، مما يستدعي بناء نماذج ديمقراطية خاصة بها. تكمن جوهر الديمقراطية في القدرة على تحدي السلطة سلمياً، وإزاحة الحكومات دون ثورة، وتمكين الأقليات من المشاركة دون خوف، وتنظيم المواطنين بشكل مستقل عن الدولة.

يشكل السودان مثالاً دراماتيكياً على تعقيدات هذه المسألة. فالثورة الشعبية التي أطاحت بعمر البشير في عام 2019، خلقت آمالاً عريضة في انتقال مدني، إلا أن قوة المؤسسات العسكرية والجماعات المسلحة حالت دون تحقيق ذلك، وانتهى الأمر بانقلاب عسكري. ثم جاءت الحرب التي اندلعت في عام 2023، محولةً الانتقال الهش إلى كارثة وطنية، ومدمرةً للمدن، ومشرّدةً للملايين، ومحطمةً للمؤسسات.

إن المأساة السودانية لا تعني استحالة الديمقراطية بعد الحرب، بل تعني أن بناء الديمقراطية يتطلب أولاً تهيئة الظروف السياسية التي تسمح بالمنافسة السلمية. المهمة الأولى في أي انتقال ديمقراطي بعد الصراع هي إرساء سلطة مدنية حقيقية على المؤسسات المسلحة. لا يمكن للدولة أن تكون ديمقراطية إذا كانت الجهات الفاعلة الأكثر قوة تمتلك السلاح خارج نطاق المساءلة المدنية. في مثل هذه الظروف، قد تتحول الانتخابات نفسها إلى ساحة معركة.

لذلك، لا يمكن فصل بناء السلام عن عملية الدمقرطة. إن وقف إطلاق النار الذي يجمد قوة الفصائل المسلحة دون تسوية سياسية قد يؤجل الصراع التالي. وبالمثل، فإن إجراء انتخابات قبل قبول الفاعلين المسلحين لشرعية المنافسة السياسية المدنية قد يكرس توازن القوى العسكرية بدلاً من ترسيخ الديمقراطية. يحتاج السودان، ودول مشابهة، إلى تسوية سياسية أعمق تضمن أن السلطة السياسية تعود في النهاية إلى المدنيين. يجب أن يصبح هذا المبدأ واقعاً سياسياً، لا مجرد نص دستوري.

لا يعني هذا أن الدول يجب أن تعزل نفسها عن المجتمع الدولي. يمكن للمساعدات الخارجية أن تكون قيّمة، لكن "الملكية" الخارجية للعملية يمكن أن تكون خطيرة. يمكن للمجتمع الدولي أن يساعد في بناء الديمقراطية، لكنه لا يستطيع أن يحكم ديمقراطياً. يجب أن تصمم عملية الانتقال الديمقراطي، وتتفاوض عليها، وتدافع عنها مواطنو البلد المعني. أما دور الفاعلين الدوليين فيجب أن يقتصر على الدعم الفني، والمساعدة الإنسانية، والتمويل، والوساطة، دون أن يكونوا هم أصحاب القرار النهائي.

تتطلب الديمقراطية أيضاً الامتداد إلى كافة مستويات المجتمع، وليس فقط العاصمة أو النخب السياسية. يجب أن يمتد نطاق المشاركة السياسية ليشمل القرى، والبلديات، والنقابات المهنية، والجامعات، ومنظمات المجتمع المدني. يكتسب المواطنون الخبرة العملية في المشاركة السياسية من خلال تجاربهم اليومية في اتخاذ القرارات المتعلقة بالتعليم، والصحة، والبنية التحتية، والخدمات العامة. هذا يعزز الشعور بالملكية والمسؤولية، ويقلل من تركيز القوة في يد قلة.

إن بناء الديمقراطية يتطلب أيضاً إحداث تحول في العلاقة بين المواطنين ومؤسسات السلطة. يجب أن يتم التفريق بين الخلاف السياسي والتدمير السياسي. لا يمكن اعتبار المعارضين السياسيين أعداء للدولة، ولا يجب التعامل مع الصحفيين الذين ينتقدون الحكومة كتهديد. كما يجب تمكين المجتمع المدني المستقل، وتوفير مساحة للنقابات المهنية، والجامعات، والمنظمات النسائية والشبابية، لتمارس دورها بحرية. الديمقراطية ليست فقط علاقة بين المواطنين والدولة، بل هي أيضاً علاقة بين المواطنين أنفسهم، تتأسس على قدرتهم على التنظيم والتعبير عن مصالحهم بشكل مستقل.

إن الهدف النهائي ليس بناء نظام يبدو ديمقراطياً وفقاً لقوائم دولية، بل بناء مواطنين ومؤسسات قادرة على الدفاع عن الديمقراطية عندما تصبح البيئة السياسية صعبة. الديمقراطية ثقافة سياسية بقدر ما هي ترتيب دستوري. تصبح المجتمع ديمقراطياً عندما لا يُنظر إلى خسارة السلطة على أنها كارثة وجودية، وحين يتمكن الخاسرون سياسياً من البقاء، ويصبح الفائزون غير قادرين على تدمير خصومهم. يتطلب ذلك نظاماً من القيود المتبادلة، حيث لا تستطيع الأغلبية فعل ما تشاء، ولا تستطيع المعارضة رفض كل شيء، ولا يمكن للمؤسسات العسكرية التدخل في الشأن السياسي.

بالنسبة للسودان، الأولوية الفورية ليست لإجراء انتخابات سريعة، بل لإنهاء الحرب، وحماية المدنيين، وإرساء سلطة مدنية موثوقة، وإعادة بناء مؤسسات الدولة، وتحقيق المساءلة، وبناء نظام دستوري يخضع فيه العنف المسلح للسلطة المدنية. أما بالنسبة للدول التي تسعى للإصلاح الديمقراطي التدريجي، فيتمثل التحدي في إعادة فتح الفضاء السياسي تدريجياً دون السماح للخوف من عدم الاستقرار بأن يصبح مبرراً دائماً للاستبداد. كلا المسارين لن يكونا سهلين أو سريعين، ولن يُقاس نجاحهما فقط بعدد الانتخابات.

إن الاختبار الحقيقي هو ما إذا كان المواطنون يمتلكون آلية سلمية لتغيير السلطة السياسية. يمكن للمجتمع الدولي أن يقدم الأدوات، لكنه لا يستطيع توفير الملكية السياسية. فالديمقراطية لا تُمنح، بل تُبنى تدريجياً عبر المؤسسات، والتسويات، والصراعات، والإخفاقات، والمحاولات المتجددة. يجب تشجيع دول الشرق الأوسط وأفريقيا على بناء أنظمة سياسية قادرة على حماية الكرامة، وتقييد السلطة، وتمكين المواطنين من تشكيل مستقبلهم. فالسلام دون حكومة مسؤولة قد يصبح استقراراً مؤقتاً، والانتخابات دون مؤسسات قد تتحول إلى مسرح سياسي، والاستقرار دون حرية قد يصبح استبداداً دائماً.

إن الديمقراطية التي تستحق البناء هي تلك التي تضمن للمواطن أن الحكومة ملك للشعب، وأن القانون ينطبق على الجميع، وأن الخلاف السياسي ليس جريمة، وأن خسارة الانتخابات ليست كارثة، وأن مستقبل البلاد يقرره مواطنوه لا البندقية أو القصر أو العاصمة الأجنبية. وهذا يتطلب أن يُتخيل هذا المستقبل الديمقراطي، ويُتفاوض عليه، ويُدافع عنه في نهاية المطاف من قبل أولئك الذين سيعيشون فيه.