الجنوب ضد الجنوب: لماذا تعجز أفريقيا عن تحويل وحدتها إلى قوة؟

منذ ساعة
مشاركة الخبر:

ثمة مأساة خاصة في حكاية إفريقيا لا يمكن تفسيرها كلياً بالاستعمار، أو التدخل الخارجي، أو الفقر، أو الفشل السياسي. إنها مأساة قارة تحدثت مراراً وتكراراً بلغة الوحدة، بينما مارست في أغلب الأحيان سياسة الانقسام. لقد أمضت إفريقيا أجيالاً وهي تواجه المظالم المترتبة عليها من الخارج، غير أن بعض أشد تحدياتها عمقاً باتت تستمر بفعل التناقضات القائمة داخل القارة نفسها. لقد ناضل الجنوب ضد الشمال، وضد الاستعمار، والتبعية الاقتصادية، والنظام الدولي غير العادل، ولكن هناك نضالاً آخر يستحق اهتماماً أكبر: نضال الجنوب مع الجنوب، نضال الدول الإفريقية مع بعضها البعض، ونضال المصالح الوطنية مع الوعد الأكبر للتضامن الإفريقي.
ورثت إفريقيا الحديثة حدوداً رُسمت في معظمها دون مشاركة إفريقية؛ حيث قسّمت القوى الاستعمارية المجتمعات، والثقافات، والممالك، وشبكات التجارة وفقاً لمصالحها الخاصة. وعند الاستقلال، واجه القادة الأفارقة خياراً مستحيلاً: إذ إن إعادة رسم تلك الحدود كانت تنطوي على مخاطرة إشعال صراعات قد تلتهم الدول الجديدة الهشة، ولذلك تم الحفاظ على الخريطة الموروثة إلى حد كبير. وهكذا اختفى المحتل الاستعماري، لكن الجغرافيا السياسية الاستعمارية ظلت قائمة.
ومع ذلك، لا يمكن للتاريخ أن يكون تفسيراً دائمًا لحاضر إفريقيا. لقد خلق الاستعمار العديد من الظروف التي تواصل صياغة القارة، لكن الأجيال المتعاقبة اتخذت أيضاً خياراتها الخاصة. ولم يعد السؤال الصعب يتعلق فقط بمن رسم حدود إفريقيا، بل بتفسير استمرار تلك الحدود في حمل كل هذا الثقل السياسي، في وقت ترتبط فيه المصالح الاقتصادية والثقافية والأمنية للمجتمعات المجاورة ارتباطاً وثيقاً.
ويتجلى هذا التناقض بوضوح في العلاقات بين الدول الإفريقية؛ فالدول التي يعتمد بعضها على بعض في التجارة، والأمن، والطاقة، والوصول إلى الأسواق، غالباً ما تتصرف كأنها جهات متنافسة. فهي تتنافس على النفوذ الإقليمي، والاستثمار، والموارد، والموانئ، والنفوذ الدبلوماسي. وبدلاً من أن تسهل الحدود حركة التجارة، تتحول إلى عوائق، بينما يمكن للخلافات السياسية بين الحكومات أن تُعطل حياة الشعوب العادية التي لا ناقة لها ولا جمل في تلك النزاعات.
وهذه  نقطة الضعف المحورية في التكامل الإفريقي: إذ يُحتفى بالوحدة كغاية مثالية، لكن التعاون يصبح صعباً عندما يتطلب من الحكومات تقديم تنازلات تمس مصالحها الوطنية المباشرة. إن التكامل الحقيقي يتطلب الثقة؛ ويتطلب من الدول الكبرى أن تضبط نفوذها، ومن الدول الأصغر أن تقبل بمبدأ الاعتماد المتبادل، ومن الحكومات أن تدرك أن ازدهار دولة مجاورة لا ينقص بالضرورة من ازدهارها هي.
وتجعل التحديات الأمنية في إفريقيا هذا الفشل باهظ التكلفة بشكل خاص. فالإرهاب، والجريمة المنظمة، وتهريب السلاح، والهجرة، وعدم الاستقرار السياسي، كلها أمور لا تعترف بالحدود الوطنية، ومع ذلك تظل الاستجابات لها ذات طابع وطني فائق. إن صراعاً في دولة واحدة كفيل بعدم استقرار عدة دول أخرى، في حين يشجع الشك الحكومات على تفسير الإجراءات الدفاعية لجيرانها على أنها تهديدات. والنتيجة هي دورة يولد فيها انعدام الأمن الشك، ويولد الشك التنافس، بينما يجعل التنافس من التعاون الأمني الحقيقي أمراً أكثر صعوبة.
والمشكلة ذاتها تظهر في إدارة الثروات الطبيعية الاستثنائية التي تتمتع بها إفريقيا. تمتلك القارة موارد معدنية وزراعية وطاقة هائلة، ومع ذلك كثيراً ما تعايشت وفرة الموارد مع الفقر والتبعية. ولا شك أن الاستغلال الخارجي جزء من هذا التاريخ، إلا أن على إفريقيا أيضاً أن تواجه تشرذمها الذاتي. فالقارة التي تتفاوض بشكل منفرد للحصول على الاستثمار، والتكنولوجيا، والبنية التحتية، والوصول إلى الأسواق، تمتلك أوراق ضغط أقل بكثير من قارة قادرة على تنسيق مصالحها.
وبناءً عليه، فإن مشكلة إفريقيا ليست مجرد نقص في الموارد، بل هي الفشل المستمر في تحويل الموارد الجماعية إلى قوة جماعية.
وكان هذا تحديداً مصدر قلق رواد الفكر الأفريقي الوحدوي في بداياته. فقد أدرك قادة مثل كوامي نكروما أن الاستقلال السياسي، من دون التعاون الاقتصادي والسياسي، يمكن أن يترك الدول الأفريقية ذات سيادة رسمية، لكنها تظل عرضة للهشاشة الاستراتيجية. ومع ذلك، واجه المشروع الوحدوي الأفريقي باستمرار التوتر بين السيادة الوطنية والتكامل القاري. ومن المفهوم أن تحمي الحكومات استقلالها، خاصة بالنظر إلى تاريخ أفريقيا مع الهيمنة الخارجية. لكن لا ينبغي الخلط بين السيادة والعزلة. ففي عالم مترابط، يمكن للعمل الجماعي أن يعزز القوة الوطنية بدلاً من أن ينتقص منها.
إن دولة تتفاوض بمفردها مع قوة عالمية كبرى لا تملك إلا نفوذاً محدوداً، في حين أن سوقاً إقليمية منسقة تضم مئات الملايين من البشر تمتلك نفوذاً أكبر بكثير. والدولة التي تتفاوض بمفردها على الموارد الاستراتيجية تملك موقفاً تفاوضياً واحداً، بينما تمتلك عدة دول تعمل معاً موقفاً آخر. ومن ثم، فإن التكامل ليس تنازلاً عن السيادة، بل هو – إذا ما صُمم بشكل صحيح – وسيلة لمضاعفتها.
لقد استفادت القوى الخارجية أيضاً من الانقسامات الإفريقية، ومن السذاجة تجاهل هذه الحقيقة. فالحكومات والشركات الأجنبية استغلت تاريخياً المنافسات السياسية وسعت وراء مصالحها الاستراتيجية عبر القارة. ولكن يمكن للجهات الخارجية استغلال التصدع أسهل بكثير من قدرتها على خلق وحدة حقيقية. ولذلك، يجب على إفريقيا أن تقاوم رغبة تفسير كل فشل من خلال التدخل الأجنبي. فالاستغلال الخارجي حقيقة واقعة، لكن الإرادة والفاعلية الإفريقية حقيقة مساوية لها في الواقعية.
إن التكلفة النهائية لهذا التشرذم يدفعها المواطنون الأفارقة العاديون. فعندما تُغلق الحدود، يفقد التجار كسبهم ودخلهم، وعندما تُعطل المشاريع الإقليمية، تفقد الشركات أسواقها، وعندما تعرقل النزاعات السياسية التنقل، تعاني العائلات والمجتمعات. بالنسبة للإفريقي العادي، ليس التشرذم مجرد مشكلة دبلوماسية تجريدية، بل هو حد مغلق، ورحلة مكلفة، وحاجز جمركي، وفرصة ضائعة، أو عقبة بيروقراطية تقف بين أشخاص كان بإمكانهم بخلاف ذلك التجارة والعمل والعيش عبر الحدود بيسر وسهولة.
لا تحتاج إفريقيا إلى إعلان آخر عن الوحدة، بل تحتاج إلى جعل الوحدة أمراً عملياً. إنها بحاجة إلى بنية تحتية مترابطة، وتجارة أكثر حرية، وأمن منسق، ومؤسسات إقليمية أقوى، وقادة سياسيين لديهم الاستعداد لقبول أن التعاون يتطلب أحياناً تقديم تنازلات. والأهم من ذلك، أنها بحاجة إلى التخلي عن افتراض أن التقدم الوطني يجب أن يأتي على حساب الجار.
لا تحتاج إفريقيا إلى أن تصبح دولة واحدة لكي تصبح قوة واحدة. فيمكن لدولها الحفاظ على هوية وسيادة كل منها، مع الإدراك في الوقت نفسه بأن ميزتها الاستراتيجية الكبرى تكمن في ثقلها الجماعي.
إن نضال الجنوب مع الجنوب هو في نهاية المطاف صراع حول ما إذا كانت إفريقيا قادرة على تحويل الجغرافيا المشتركة إلى قوة مشتركة. يفسر الاستعمار الكثير من ماضی القارة، ولكنه لا يستطيع تحديد مستقبلها إلى الأبد. والتدخل الأجنبي أمر واقع، لكنه لا يمكن أن يكون مبرراً للانقسام الداخلي إلى غير نهاية. والسيادة الوطنية أمر أساسي، لكن لا ينبغي أن تتحول إلى ذريعة للتشرذم الدائم.
لقد قضت إفريقيا أجيالاً وهي تسأل لماذا يستمر العالم في تقسيمها. ولعل السؤال الأكثر صعوبة قد حان وقته الآن: لماذا تستمر إفريقيا في السماح لتلك الانقسامات بالحد من قوتها؟
إن الإجابة لن تُوجد في خطاب آخر عن الأخوة، بل ستُوجد في العمل الشاق المتمثل في بناء الثقة، وتكامل الاقتصاد، وتعزيز المؤسسات، والتعلم على رؤية التعاون ليس كتنازل للدول المجاورة، بل كاستثمار في إفريقيا ذاتها.
إن مستقبل إفريقيا لن يتحدد فقط بما يفعله العالم بها، بل يتحدد أيضاً بما تختار إفريقيا أن تفعله بنفسها.

جامعة ييل