يوميات الخوف .. حين تتذوق الصواريخ طعم القرى النائية!

منذ ساعة
مشاركة الخبر:

تستيقظ القرية كل صباح على غير عادتها؛ فلا الديك يصيح معلنًا بزوغ الفجر، ولا ريح الصباح تداعب سعف النخيل بهدوء، بل يبدأ النهار هناك على وقع «أوبريت» العبث الحوثي المعتاد. فبينما كان العالم يبتكر طائرات ذكية توصل البيتزا وتقدم الخدمات اللوجستية، قررت المليشيا الحوثية أن تبتكر طريقتها الخاصة في «توصيل الهدايا». هدايا لا تصل في علب مخملية، بل تخرق صفاء السماء بصوت يشبه شخير ديناصور غاضب، لتستقر فوق أسطح البيوت الطينية، وكأنها تبحث عن عنوان ضائع لبريد سريع.
بريد الهشيم والتربة الطينية
في قريتنا الآمنة، لم تكن السياسة يومًا سوى حديث عابر على مقاهي العصر، نتناوله مع الشاي المضبّب. لكن المليشيا الحوثية أبت إلا أن تجعلنا «نجوم مجتمع» ونصبح جزءًا من نشرات الأخبار العاجلة. تتساءل في سرك وأنت ترى صاروخًا بالستيًا ـ أُنفقت عليه ميزانيات شعب يجوع ـ يسقط فوق حقل لزراعة القات أو فوق سور مدرسة ابتدائية: أي هندسة عسكرية عبقرية تلك التي تستهدف حظيرة بقرات العم صالح؟ هل اعتقدوا أن البقرة تدير خلية استخبارات دولية، أم أن العشب الأخضر يشكل تهديدًا أمنيًا وجوديًا لمسيرة «القرآن» المزعومة؟
سخرية القدر: أن يتحول السقف الذي بُني بتبرعات الأقارب وعرق الأبناء إلى منصة عرض مفاجئة لشظايا الحديد الصدئ.
إنجازات خارقة: تدمير جدار حديقة منزلية يُعد في نظر الإعلام الحوثي «انتصارًا ساحقًا على قوى الاستكبار العالمي».
صواريخ بلا إحداثيات.. وحروب بلا هوادة
اللافت حقًا في هذه العروض الصاروخية هو ذلك «التخبط الجغرافي». تبدو الصواريخ كأنها تعاني من قصر نظر حاد، أو أنها تُدار بنظام ملاحة يعتمد على «الرجم بالغيب». تُطلق من كهوف صعدة لتستقر في قرى تهامة أو بيحان أو مأرب، وكأنها تقول للمواطن البسيط: «نحن لا نعرف أين أنت تحديدًا، لكننا نتذكر أنك موجود، فنحب أن نزعجك!».
وهكذا، تحولت ليلتنا إلى جلسة استماع جماعية لترانيم الرعب: هل الصواريخ قادمة من الشمال أم الشرق؟ هل نعد الشاي بهدوء أم نركض إلى أسفل الدرج ونحن نحتضن وسائد النوم؟ حتى الأحلام في قريتنا أصبحت مسلحة؛ فالنائم يرى كابوسًا بأن صاروخًا يطلب منه بطاقة الشخصية قبل أن ينفجر.
«في بلد تحكمه خرافة الصواريخ العشوائية، يصبح البقاء على قيد الحياة مجرد ضربة حظ يومية، ويصبح الضحك على غباء الجلاد هو السلاح الوحيد المتبقي للأبرياء».
بقايا حلم في مهب الرماد
تنتهي الحكاية كل مساء بانقشاع الدخان، ليعود الأهالي لجمع شتات بيوتهم بابتسامة مريرة تعلو وجوههم المتربة. يرفضون الاستسلام لثقافة الخوف الكاملة، فيصلحون الجدار المتهدم، وينفضون الغبار عن عتبات الدور، وكأنهم يرسلون رسالة صامتة لا تقل بلاغة عن صواريخهم: «نحن هنا باقون، أما صواريخكم فهي مجرد زوار ثقال سيرحلون قريبًا إلى مزبلة التاريخ».
هل ستتوقف هذه العبثية قريبًا، أم أن قريتنا ستظل «صندوق البريد المفضّل» لكل طائش ومتبجح بسلاح عابث؟