يوميات الخوف .. "لجنة تحقيق ملكية" من عالم الجن!
صحا أهالي محافظة ذمار صباحاً كالعادة على نغمة الفاجعة المعتادة؛ فتاة مظلومة وُجدت جثتها هامدة، وقد خضعت لـ"دورة تدريبية مكثفة" في فنون التعذيب، حتى تفوقت على متاحف العصور الوسطى. وكالعادة أيضاً، أعلنت الجهات الأمنية المختصة حالة الطوارئ القصوى، ليس للبحث عن الجاني، بل للبحث عن "إثباتات قاطعة" تؤكد أن الجريمة ارتكبتها كائنات فضائية هبطت طائرتها ذات الصحون في عز الظهر، أو أن "الجن العاشق" هو من قرر أن يمارس هوايته المفضلة في الخنق والسحل!
في مناطق سيطرة مليشيا الحوثي، أصبح المواطن يعيش في بحبوحة من الأمن والأمان، لدرجة أنه لم يعد يحتاج إلى شرطي مرور ولا إلى محكمة، بل إلى "رُقاة شرعيين" يحرسون الشوارع من الجن الطائر.
وزارة الداخلية في صنعاء (أو ما تبقى من هيبة الدولة فيها) أصدرت بياناً تاريخياً هز أركان العالم السفلي، وأكدت فيه بكل ثقة أن الجاني لا يزال مجهولاً، وأن أصابع الاتهام تشير، بالتنسيق مع الاستخبارات الأمريكية والإسرائيلية، إلى "قبيلة من العفاريت" تسكن جبال ذمار، وشدد البيان على أن الأجهزة الأمنية تتابع تحركات الجن بالرصد الدقيق عبر "الرادار الروحاني"، ولن تتردد في ضبط المتلبسين بالتبخير فوراً!
وبسخرية، سيؤكد مصدر أمني للجميع أن "الجن" نفذوا الجريمة بدقة هندسية، ودون أن يتركوا بصمة واحدة، متجاوزين بذلك كل قوانين الفيزياء وقوانين المليشيا التي لا تترك شاردة ولا واردة إلا وأحصتها... إلا المجرمين الحقيقيين، بالطبع.
لم تعد المحافظات الثلاث (ذمار، إب، عمران) مجرد مناطق سكنية عادية، بل تحولت إلى ما يشبه "استديو تصوير مرعب" لفيلم رعب هابط لا ينتهي، حيث البطل الحقيقي هو المواطن الذي ينام وهو يحمل كفنه فوق رأسه، ويصحو على خبر جريمة جديدة.
محافظة ذمار: عاصمة الأشباح ومصنع الجثث الغامضة، حيث تُحل قضايا القتل بكل بساطة بوضعها في أرشيف "ضد مجهول... أو ضد جني".
محافظة إب: الخضراء التي تبكي دماً، حيث تُرتكب الجرائم جهاراً نهاراً، وحين يسأل المواطن: "من قتل فلان؟"، يأتيه الجواب من سحيقة الوعي الحوثي: "القضاء والقدر... وبإشراف أمريكي!".
محافظة عمران: حيث يتحول السلاح إلى لعبة أطفال، وحيث يُصنع الخوف على مدار الساعة، ليضمنوا ألا ينشغل المواطن بالمطالبة براتبه أو بلقمة عيشه.
المواطن المسكين اليوم يقف عاجزاً أمام معادلة أمنية معقدة للغاية: فهو يخاف من جبابرة الحوثي إن تكلم، ويخاف من الجن إن سكت، ويخاف من العدوان في كل الأحوال، ويخاف من الجريمة القادمة التي تنتظر دوره في الطابور الصباحي!
وفي ظل هذا النعيم الأمني الفريد، لم يبق أمام أهالي ذمار وإب وعمران سوى توجيه رسالة رسمية إلى هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لتنظيم دوريات ليلية لملاحقة "العفاريت المجرمين"، وترك المواطنين ينامون بسلام... هذا إذا وجدوا بيتاً ينامون فيه، أو بقايا خوف لم تسرقها اللجان الأمنية بعد!