الحوثيون يقدّمون «رحلات مجانية» إلى الجبهات.. ذهاب بلا إياب وتذكرة VIP إلى العالم الآخر
في صنعاء، حيث التاريخ عريق والمقابر أحدث موضة معمارية، لم يعد هناك داعٍ للقلق بشأن أزمة العقارات؛ فالمساحات الخضراء الوحيدة المتبقية في أطراف العاصمة تحولت بقدرة قادر إلى "منتجعات أبدية" واسعة ومجانية تماماً للشباب! المقابر هناك تتسع وتتمدد بكل حب وترحاب لتستقبل زهرة شباب المدينة، بينما يكتفي الأحياء بدور الكومبارس في مسرحية عبثية عنوانها الأبرز: "كيف تخسر ابنك وتظل صامتاً مع وقف التنفيذ".
المقابر.. القطاع الأكثر انتعاشاً في سوق الاستثمار الموتوي
بينما تشهد الأسواق التجارية كساداً غير مسبوق وجوعاً مستشرياً، يعيش قطاع "المقابر الجديدة" رواجًا وازدهاراً اقتصاديًا مذهلاً. شواهد القبور تُزرع أسرع من أشجار الرمان، والشوارع التي كان المفترض أن تضج باختراعات ومشاريع الشباب، باتت تضج بمواكب العزاء الدورية التي تحولت إلى روتين صباحي ومسائي كفيل بضبط ساعات يدك بدقة متناهية.
المليشيا الحوثية لا تهتم كثيراً بتوفير الوظائف، فهي توفر ما هو أبد وأعظم؛ رحلة مجانية ذهاباً بلا إياب إلى الجبهات، مع تذكرة VIP مباشرة نحو العالم الآخر، مرتدين شعارات براقة لا تطعم خبزاً لكنها تحفر قبوراً.
الآباء والأبناء.. مسرحية "التغرير الإجباري"
وإذا سألت: هل الأب هو من يفرط بابنه طواعية؟ أم أن المليشيا تسحبه من ياقته عنوة؟ فالإجابة تقع في منطقة رمادية مظلمة تشبه تماماً حالة الطقس النفسي لصنعاء.
خيار السعادة المؤقتة:
أحياناً يُغَر بالفتى بكلمات رنانة عن الحور العين وبطولات الوهم، وكأن المعركة رحلة تخييم كشفي.
خيار القهر المباشر:
وحين لا ينفع التغرير، يأتي دور "المشرف" الناصح الأمين، الذي يوضح للأسرة بلطف شديد أن رفض إرسال الابن قد يضع العائلة في قائمة "المشتبه بهم في الخيانة العظمى"، وحينها يصبح تسليم الثمرة للريح أهون بكثير من حرق الشجرة كلها. وهكذا ينتقل الابن من مقاعد الدراسة إلى مقاعد الآخرة، وسط مباركة صامتة عنوانها: "المهم يرجع لنا سالم.. أو على الأقل يعود محمولاً على سجادة فاخرة".
سر الصمت.. شعب مكوّم على صامت
أما عن سر صمت صنعاء المطبق، فليس لأن أهلها يمتلكون أعصاباً من فولاذ أو قلوباً من حديد، بل لأن المدينة بأكملها وُضعت على وضع "الصامت" الإجباري
القبضة الأمنية هناك لا تحتاج إلى كاميرات مراقبة حديثة، فكل جدار له أذنان، وكل "مشرف" يعلم حتى عدد حبات البن التي يتناولها المواطن في مقيله. وحين تجتمع طوابير الجوع مع طوابير الموت، يصبح جل اهتمام المواطن هو البحث عن كيس دقيق لا يكلفه بيع كليته، فضلاً عن أن يفكر في قيام "ثورة" قد تنتهي به وبأسرته المتبقية في نفس المقبرة المستحدثة مجاناً!
خلاصة القول:
صنعاء اليوم تسير بخطى حثيثة نحو تحقيق الحلم المستحيل: مدينة خالية تماماً من التجاعيد الشبابية. وحين يُسأل الزمن إلى متى سيظل هذا الصمت مستمراً؟ يجيب أحدهم باستهزاء: "حتى يفرغ الشباب تماماً، وعندها سيضطر المشرفون للقتال فيما بينهم.. وحينها فقط، ربما يستيقظ الأحياء ليطفئوا أنوار المقابر!"