يؤكد عليها في كل مناسبة وطنية .. قراءة في خطاب أحمد علي عبدالله صالح ودعوته إلى توحيد الصف الجمهوري

منذ ساعة
مشاركة الخبر:

في خضم المشهد اليمني المعقد، حيث تتداخل السياسة بالحرب، وتتشابك الحسابات الوطنية والإقليمية، يبقى المواطن اليمني هو الحلقة التي ينبغي أن تكون في قلب أي خطاب سياسي مسؤول.
فخلف كل الأرقام والتقارير والمواقف السياسية، هناك أسرة تبحث عن لقمة العيش، وموظف ينتظر راتبه، ومريض يبحث عن دواء، وطفل خارج المدرسة ومحروم من التعليم بسبب العوائق المادية، وجندي ينتظر راتباً يحفظ له ولأسرته كرامة العيش.
ومن هذه الزاوية يمكن قراءة حضور الجانب الإنساني والمعيشي في خطابات السفير أحمد علي عبدالله صالح، نائب رئيس المؤتمر الشعبي العام، باعتباره واحداً من المحاور التي تتكرر في رؤيته للشأن الوطني؛ رؤية لا تفصل بين استعادة الدولة وبين تحسين حياة الناس، ولا ترى في العمل السياسي غاية مستقلة عن خدمة المواطن وحماية أمنه وكرامته.

لم يكن همّ المواطن وليد اليوم في خطاب أحمد علي عبدالله صالح، بل كان حاضراً بوضوح في مواقفه منذ تشكيل مجلس القيادة الرئاسي في 26 سبتمبر 2022 فقد شدد آنذاك على ضرورة أن تكون مؤسسات الدولة وقياداتها حاضرة في الداخل، وقريبة من المواطنين، وملامسةً لمعاناتهم واحتياجاتهم بصورة مباشرة في رسالته في ذلك العام، دعا قيادة الدولة والحكومة إلى العودة إلى الوطن والعمل من الداخل، والاضطلاع بمسؤولياتها تجاه المواطنين، وتلمس احتياجاتهم عن قرب، والعمل على توفير الأمن والاستقرار والخدمات الأساسية، وفي مقدمتها الكهرباء والتعليم والصحة.

ولعل أهمية هذه الدعوة إنها مستمرة منذ سنوات وفي كل مناسبة وطنية لا تكمن فقط في بعدها السياسي، وإنما في دلالتها الإنسانية.

فالدولة، في نهاية المطاف، ليست مؤسسات ومكاتب وقرارات فحسب؛ وإنما هي حضور إلى جانب الناس عندما تشتد عليهم الأزمات ،والشرعية السياسية لا تكتمل بمجرد الاعتراف بها، بل تزداد رسوخاً حين يشعر المواطن أن مؤسساتها موجودة من أجله، وتسمع صوته، وتعمل على تخفيف معاناته.
كان هذا المبدأ حاضراً بوضوح في خطابه بمناسبة الذكرى الثانية والأربعين لتأسيس المؤتمر الشعبي العام في 24 أغسطس 2024، حين دعا مجلس القيادة الرئاسي والحكومة والمؤسسات الدستورية إلى العمل من الداخل، وإعادة بناء مؤسسات الدولة، وتلمس أحوال المواطنين عن كثب، ومعالجة قضاياهم المعيشية الصعبة، والتخفيف من معاناتهم، وتحسين الأوضاع الأمنية والاقتصادية والصحية والخدمية. كما ربط ذلك بضرورة تقارب القوى الوطنية وتجاوز الماضي وفتح صفحة جديدة وتوحيد الصفوف.
هنا تتضح فلسفة سياسية جديرة بالتأمل: لا يمكن بناء دولة قوية في ظل مواطن منهك، ولا يمكن تحقيق انتصار وطني مستدام فيما تبقى الجبهة الداخلية مثقلة بالخلافات والانقسامات.
إن المواطن اليمني، الذي تحمل سنوات طويلة من الحرب والاضطراب الاقتصادي وتراجع الخدمات، لا يريد أن يسمع عن السياسة بوصفها صراعاً على المواقع، بقدر ما يريد أن يرى آثارها في حياته اليومية ،يريد راتباً منتظماً، وسعراً يستطيع تحمله، وتامين صحي، ومدرسة يدرس فيها، وطريقاً آمناً، وكهرباء وخدمات، ودولة تحميه ولا تزيد من أعبائه.
ومن هنا تبدو دعوة أحمد علي عبدالله صالح نائب رئيس المؤتمر الشعبي العام، لمجلس القيادة الرئاسي والحكومة إلى العودة للداخل أكثر من مجرد موقف سياسي؛ فهي، في جوهرها، دعوة إلى الاقتراب من الإنسان اليمني والاستماع إليه من موقع المسؤولية، وإلى أن تتحول مؤسسات الدولة من إدارة الأزمات عن بُعد إلى ممارسة واجباتها على الأرض.
وفي الجانب الآخر من رؤيته، يبرز باستمرار التأكيد على أن استعادة الدولة لا يمكن أن تتحقق من خلال قوى متفرقة، ولا عبر استمرار الخلافات بين القوى المناهضة لمليشيا الحوثي.
فالخلافات السياسية، مهما كانت أسبابها، تصبح أقل أهمية أمام خطر يهدد الدولة ومؤسساتها ووحدة المجتمع، ولذلك فإن الدعوة إلى توحيد الصف الجمهوري لا تعني إلغاء التعدد السياسي أو مصادرة حق الاختلاف، وإنما تعني إيجاد مساحة مشتركة تتفق فيها القوى الوطنية على الأولويات الكبرى: الجمهورية، ووحدة الدولة، وسيادة القانون، واستعادة المؤسسات، وإنهاء الانقلاب، وحماية اليمن من مشاريع التجزئة والوصاية،
وهذا ما يجعل الدعوة إلى توحيد الجيش والأمن ذات أهمية خاصة.

فوجود مؤسسات عسكرية وأمنية وطنية موحدة ليس مجرد مطلب عسكري، بل هو شرط أساسي لقيام الدولة الحديثة وكلما تعددت مراكز القوة والقرار، ازدادت قدرة الخصوم على استثمار الانقسامات، ودفع اليمنيين إلى صراعات جانبية تستنزف طاقاتهم بعيداً عن الهدف الاسمى والأكبر وهو استعادة مؤسسات الدولة وانهاء انقلاب مليشيا الحوثي ،ولذلك فإن بناء جيش وأمن موحدين تحت سلطة الدولة، وعلى أساس وطني ومهني، ينبغي أن يكون هدفاً جامعاً لكل القوى الجمهورية، بعيداً عن الحسابات الشخصية والمناطقية والحزبية.

إن أكثر ما يحتاجه اليمن ،اليوم، هو الانتقال من مرحلة إدارة الخلافات إلى مرحلة صناعة الحلول، والمقصود بذلك ليس تجاهل المظالم أو تجاوز القضايا السياسية، وإنما التعامل معها بعقل الدولة، وبمنطق الحوار والتوافق، وبما يحفظ حق اليمنيين في المشاركة السياسية ويضع المصلحة الوطنية فوق المصالح الخاصة.

لقد شدد أحمد علي عبدالله صالح نائب رئيس المؤتمر الشعبي العام، في خطاباته المتعددة على المصالحة الوطنية وتجاوز الأحقاد والحسابات الضيقة، وعلى أن الحوار بين أبناء الوطن الواحد هو الطريق لمعالجة القضايا الشائكة، وأن المصالحة الوطنية أقل كلفة من استمرار الصراع واعتقد انه حمل هذه الهموم في خطاب له عام 2011م ام لم تخني الذاكرة.
قد تنجح الحكومات في إصدار البيانات، وقد تنجح القوى السياسية في عقد الاجتماعات، وقد تتعدد المبادرات والمشاورات، لكن المعيار الأصدق لكل ذلك يظل سؤالاً بسيطاً: ماذا تغير في حياة المواطن؟
إذا تحسن الأمن، وانخفضت معاناة الناس، وانتظمت الخدمات، وحصل الموظف على راتبه، وأصبح الجيش والأمن أكثر توحداً ومهنية، واستعادت مؤسسات الدولة حضورها، فإن السياسة تكون قد اقتربت من وظيفتها الحقيقية.
أما إذا بقي المواطن وحيداً أمام الغلاء والخوف وانقطاع الخدمات وضياع فرص العمل، فإن أي انتصار سياسي سيظل ناقصاً.

ومن هنا فإن الجانب الإنساني في خطاب أحمد علي عبدالله صالحنائب رئيس المؤتمر الشعبي العام،  يستحق أن يُقرأ بعيداً عن الاستقطاب. فحين تكون الدعوة إلى العودة إلى الداخل مرتبطة بتلمس أحوال المواطنين، وحين يقترن توحيد الصف السياسي بالدعوة إلى تحسين الخدمات ومعالجة الأوضاع الاقتصادية والأمنية والصحية، فإن الرسالة الأساسية تصبح واضحة: استعادة الدولة ليست هدفاً منفصلاً عن إنقاذ الإنسان؛ بل إن الدولة تستعيد معناها حين تصبح قادرة على حماية المواطن وخدمته.

إن اليمن الذي يحتاجه أبناؤه اليوم ليس يمن الإقصاء، ولا يمن الثأر السياسي، ولا يمن الانتصار لطرف على حساب الوطن؛ وإنما يمن يتسع لكل أبنائه،
وإذا كان إنهاء الانقلاب الحوثي واستعادة مؤسسات الدولة يمثلان أولوية وطنية، فإن الطريق إلى ذلك يحتاج إلى قرب السلطة من المواطن، وإلى خطاب سياسي هادئ ومسؤول، وإلى مصالحة وطنية حقيقية تفتح الباب أمام مختلف القوى للمشاركة في بناء المستقبل.
وفي هذا السياق، فإن توحيد الصف لا يعني أن يتطابق الجميع في الرأي، وإنما يعني أن يعرف اليمنيون أين يجب أن يختلفوا، وأين يجب أن يتفقوا. فالاختلاف السياسي حق، أما تفكيك الدولة وإضعاف مؤسساتها فليس مصلحة لأحد.
لقد أظهرت التجربة اليمنية أن الانقسام الداخلي لا يخدم إلا المشاريع التي تتغذى على الفرقة. ولذلك فإن توحيد القرار الوطني، وتوحيد الجيش والأمن، وتقوية مؤسسات الدولة، وإعادة الثقة بين القوى السياسية، تمثل جميعها حلقات في سلسلة واحدة هدفها استعادة اليمن لقراره ومؤسساته واستقراره.

ومن هذه الزاوية يمكن فهم جوهر الدعوات التي تكررت في خطابات أحمد علي عبدالله صالح: العودة إلى الداخل، الاقتراب من المواطن، معالجة معاناته، توحيد الصف الجمهوري، جمع القوى الوطنية، وتوحيد الجيش والأمن، وصولاً إلى استعادة الدولة وإنهاء الانقلاب الحوثي.
إنها، في جوهرها، ليست دعوة إلى انتصار طرف على طرف، بقدر ما ينبغي أن تكون دعوة إلى انتصار اليمن على أزمته.

اليمن لا يحتاج اليوم إلى مزيد من الجدران بين أبنائه، بل إلى جسور تعيد الثقة بينهم؛ ولا يحتاج إلى إطالة عمر الخصومة، بل إلى شجاعة المصالحة؛ ولا يحتاج إلى تعدد مراكز القوة، بل إلى دولة واحدة وجيش واحد وأمن واحد وقرار وطني واحد.
وفي نهاية المطاف، ستبقى القيمة الحقيقية لأي مشروع سياسي بقدر ما يستطيع أن يعيد للمواطن اليمني شيئاً من أمنه وكرامته وأمله بالمستقبل.
فحين يكون المواطن هو الغاية، تصبح استعادة الدولة وسيلة لإنقاذ الوطن، ويصبح توحيد الصف الجمهوري طريقاً نحو السلام والاستقرار، ويصبح إنهاء الانقلاب خطوة في مشروع أوسع: مشروع يمنٍ آمن، عادل، موحد، يتسع لجميع أبنائه.