القرار اليمني المنهوب: بين عمالة الحوثي وأوهام "الضوء الأخضر"
تقف الشعوب في محطات تاريخية فارقة أمام خيارات لا تحتمل الرمادية ولا تقبل المساومة على الوجود، واليمن اليوم يمر بأشد هذه المحطات قسوة وأكثرها تعقيداً ليس فقط بسبب حجم الدمار والإرهاب الذي تجسده المليشيا الحوثية، بل أيضاً جراء حالة الارتهان والضعف التي تكبل الإرادة السياسية للسلطة الشرعية وتمنع تحويل تضحيات اليمنيين إلى نصر ناجز يكسر شوكة المشروع الإيراني.
إن الحديث لسنوات عن ضرورة تحرير القرار السيادي اليمني لم يكن يوماً رفاهية فكرية ولا مطمحاً شخصياً أو بحثاً عن مكاسب ذاتية، بل هو المطلب المصيري والشرط الوحيد لاستعادة عزة وكرامة الوطن، فالسيادة لا تُمنح في الصالونات الدبلوماسية ولا تُصنع بالبيانات، بل هي القدرة على اتخاذ القرار الخالص بناءً على المصالح العليا للشعب.
تكمن المأساة اليمنية في شقين يتغذى أحدهما على الآخر؛ الأول هو العمالة المطلقة لمليشيا الحوثي الارهابية التي أثبتت بالدليل القاطع أنها مجرد رأس حربة وأداة طائعية في يد الحرس الثوري الإيراني، خاضعة لتعليمات طهران وتنفذ أجندتها الإقليمية دون أدنى اعتبار لدماء اليمنيين أو مستقبل بلدهم.
لقد كسرت هذه المليشيا كل الأعراف والنواميس الأخلاقية والسياسية، واعتمدت استهداف المدنيين والمنشآت حجرَ أساس في سلوكها العسكري، وجعلت من نقض العهود استراتيجية ثابتة ،وما تصعيدها المتواصل بكافة أنواع الأسلحة على تعز ومأرب والحديدة وشبوة والضالع، يساندها استهداف مباشر للأحياء السكنية والشرائح الضعيفة، إلا تذكير صارخ بأنها تتحرك كبيدق ينفذ مشهداً إيرانياً كاملاً للإضرار بالمنطقة وتثبيت نفوذ طهران.
أما الشق الثاني فيتمثل في تخاذل وضعف السلطة الشرعية التي أضاعت الفرص بغرقها في ارتهان الإرادة وانتظار "الضوء الأخضر" الخارجي، وهو انتظار سلبي منح الحوثي الوقت الكافي لإعادة ترتيب صفوفه وفرض أمره الواقع.
ومن السخرية بمكان، أنه بعد سنوات طويلة من الحرب والهلاك، تخرج علينا تبريرات وتفسيرات سياسية فيها من العجب ما يقلب الموازين رأسًا على عقب، كالنغمة التي تتردد عن أن الحوثي يسعى لـ "جر الشرعية إلى الحرب"، أو أن الشرعية تنتظر إذناً دولياً للتحرك ،ومن أطرف ما أنتجته ماكينة التبرير السياسي تلك النظرية التي تبدو صالحة لكل شيء إلا لفهم الواقع؛ فبحسب هذا المنطق المقلوب، لا تنظر إلى الصاروخ الذي انطلق على أجساد المدنيين، بل إلى الطرف الذي يرد عليه، ولا تسأل من قصف، بل لماذا اضطر الآخر إلى الانزعاج! وهكذا يتحول المعتدي إلى صاحب خطة دفاعية وتكتيك ذكي، بينما تُلام الضحية أو يُبرَّر قعود الشرعية بذرائع الحذر من الوقوع في "الفخ".
لكن الحرب أكثر صراحة من مناورات السياسيين وبياناتهم المتلعثمة؛ فالصاروخ الذي يستهدف المدنيين في مأرب أو تعز لا يملك حساً سياسياً ليجرب استدراج أحد، والمسيّرة الإيرانية الصنع لا تعقد مؤتمراً صحفياً لتبين حسن نواياها، والمدفعية لا تعترف بتوازنات الدبلوماسية. هناك طرف يضغط على الزناد وطرف يُستهدف، وتحويل هجمات الحوثي إلى مجرد "فخ" يشبه اتهام الحريق بأنه أراد "جر" الدفاع المدني إلى موقع المأساة! إن السلوك الإيراني عبر ادواته في اليمن (مليشيا الحوثي) واضح، وتحميل المجتمع الدولي وحده مسؤولية هذا التصعيد يمثل مخرجاً مريحاً للهروب من السؤال الأساسي: من الذي أطلق النار ومن يملك قرار المواجهة؟
صحيح أن المجتمع الدولي يتحمل مسؤولية أخلاقية وسياسية كبيرة جراء إخفاقه في ردع مليشيا الحوثي وإدارته للأزمة بدلاً من حلها، لكن المجتمع الدولي ليس هو من يوجه المسيّرات نحو أجساد اليمنيين، ونقده لا يعني إعفاء الفاعل الحقيقي من الجريمة. وفي المقابل، فإن نقد الشرعية ومساءلة أدائها العسكري والسياسي الشللِيّ لا يعني بحال من الأحوال تبرئة الحوثي أو منح أفعاله أبعاداً تكتيكية مشروعاً؛ فالسياسة ليست مسابقة في توزيع اللوم بالتساوي حتى يبدو المشهد متوازناً، والتوازن الزائف هنا أشد ظلماً من الانحياز الصريح للحقائق.
إن السؤال الذي ينبغي أن يُطرح بشجاعة وبدون مواربة هو: من انقلب على الدولة؟ ومن قصف المدن؟ ومن ينفذ أجندة الحرس الثوري؟ ومن يمارس الضعف والارتهان تحت شماعة الضوء الأخضر؟ هذه الأسئلة البسيطة هي المقياس الحقيقي للواقع، بعيداً عن التحليلات المريحة التي تضع الجاني والضحية في كفة واحدة والاعتماد على المراهنات الخارجية أو الحلول المعلبة لن يستعيد دولة ولن يحمي يمنياً من بطش المليشيا، فالواقع يؤكد أن عملاء طهران لا يفهمون إلا لغة القوة والميدان ولن تُستعاد كرامة اليمنيين إلا بكسر حالة الشلل، وانتزاع القرار الوطني، وانتقال الشرعية من موقف المدافع الفاقد للمبادرة إلى موقف القيادة الصلبة التي تضع المصلحة الوطنية فوق كل اعتبار وتتجه بنوايا حازمة ونحو هدف واحد وهو تطهير الأرض اليمنية من المشروع الإيراني وأدواته وإعادة بناء دولة المؤسسات والسيادة الكاملة.
خلاصة الخلاصة:
هذا المقال يعبر عن رأي شخصي وقراءة خاصة للواقع، ولا يهدف إلى تبني موقف أي طرف. فكل هذا القصف من قبل الحوثيين، والرد من قبل قوات الحكومة الشرعية، والتضخيم الإعلامي من الطرفين، وفي النهاية النتيجة واحدة: لا أحد تقدم مترًا واحدًا على الأرض. ضجيج كبير في الإعلام، وتصعيد متبادل، لكن من الناحية الميدانية لا تغيير يُذكر.