جعجعة بلا طحين.. جبهات اليمن تشتعل وتساؤلات مصيرية حول غياب الردع الحكومي
في المشهد اليمني المعقد، يتجدد الصدام بين الخطاب الرسمي المعلن والواقع الميداني المؤلم. فبينما تُعلن الحكومة الشرعية ومجلس القيادة الرئاسي الانتقال من مربع الدفاع إلى الهجوم للرد على انتهاكات مليشيا الحوثي، تقابلها جبهات ملتهبة في تعز والساحل الغربي تتلقى الضربات وحدها.
ومما يثير استياء الشارع والشارع العسكري على حد سواء، صمت مطبق وغياب أي إسناد أو تحرك عملي لمؤازرة هذه الجبهات الصامدة.
هذا التناقض الصارخ يطرح تساؤلات مشروعة حول جدية هذه التوجيهات، ومصير استراتيجيات الردع، والسبب وراء ترك المحافظات المستهدفة تواجه مصيرها بمفردها، في توقيت يحتم وحدة الصف والقرار.
القيادة السياسية في موقف المتفرج
رشاد المخلافي (محلل سياسي وعسكري) يقول:
"إن إطلاق التصريحات الرنانة بالانتقال إلى الهجوم دون بناء أرضية عسكرية صلبة ودعم لوجستي حقيقي يشبه تماماً مقولة «جعجعة بلا طحين». الشرعية تفتقر إلى مركز قيادة منسجم وجبهات خلفية تسندها، وما نراه اليوم من هجمات حوثية متفرقة على تعز والساحل الغربي يؤكد أن المليشيا هي من تفرض إيقاع المعركة، بينما تكتفي القيادة السياسية بدور المتفرج، مما يفرغ أي قرار ردع من مضمونه الحقيقي."
الهجمات الحوثية لا تتوقف شرقاً وغرباً وشمالاً
العقيد فاروق الصالحي (قيادي ميداني في جبهة تعز) قال:
"نحن هنا لا نحتاج إلى توجيهات ورقية تُبث عبر وسائل الإعلام، بل نحتاج إلى أسلحة نوعية وإسناد مدفعي وغطاء سياسي يحمي تضحيات الأبطال.
الهجمات الحوثية لا تتوقف شرقاً وغرباً وشمالاً، وفي المقابل، لا نلمس أي التفاتة حقيقية من مجلس القيادة الرئاسي لفك الحصار أو تخفيف الضغط عنا، وكأن تعز تُعاقب أو يُراد لها أن تواجه قدرها بمفردها تحت شعار «سدوا بينكم البين»."
الردع لا يأتي بالتمنيات، بل بتوحيد البندقية اليمنية
الدكتورة ابتسام المريسي (باحثة في الشأن اليمني) قالت:
"المشكلة الكبرى تكمن في غياب استراتيجية وطنية شاملة. عندما يُصدر الرئيس رشاد العليمي توجيهات بالرد دون تهيئة الظروف العسكرية والسياسية، فإن ذلك يؤدي إلى نتائج عكسية تفقد المواطن الثقة تماماً في مؤسسات الدولة. الردع لا يأتي بالتمنيات، بل بتوحيد البندقية اليمنية، وفتح المعابر، ودعم الجبهات المشتعلة التي تمثل خط الدفاع الأول عن المشروع الجمهوري."
الشارع اليوم يشعر بخذلان كبير
عبد الله العامري (ناشط حقوقي من الساحل الغربي) قال:
"الساحل الغربي وتعز يشكلان عمقاً استراتيجياً للشرعية، واستهدافهما بالصواريخ والمسيرات الحوثية هو اختبار حقيقي لمدى فاعلية مجلس القيادة الرئاسي. للأسف، الشارع اليوم يشعر بخذلان كبير؛ فأين الردع الموعود؟ ومتى ستدرك القيادة أن السكوت عن هذه الاعتداءات يمنح الحوثي مزيداً من الغطرسة والجرأة لفرض شروطه بالقوة؟"
متى سيكون الردع؟
الشيخ منصور الحاشدي (وجاهة اجتماعية ورجل بحوث سياسية) قال:"الناس في اليمن باتوا لا يعتدون كثيراً بالخطابات والمؤتمرات الصحفية، بل ينظرون إلى الأفعال على الأرض. إذا لم يتحرك مجلس القيادة الآن، في ظل هذا التصعيد الخطير، فمتى سيكون الردع؟ إن بقاء جبهات تعز والساحل تقاتل بمعزل عن الدعم الشامل يهدد بتفكيك ما تبقى من تماسك الجبهة الداخلية، ويضع مستقبل البلاد على المحك."
الختام:
يبقى السؤال العالق بلا جواب شافٍ يتردد في كل زاوية من زوايا اليمن الملتهب: متى يتحول الحبر الرسمي إلى رصاص، والقرارات الفوقية إلى أفعال ميدانية تنقذ ما يمكن إنقاذه؟
إن استمرار سياسة الصمت والتفرج على جبهات الصمود في تعز والساحل الغربي لا يعكس فقط ضعفاً في أدوات الردع، بل يهدد بفقدان الثقة الكلية بالشرعية. وإن لم يكن التحرك الحازم واجباً ملحاً في هذه اللحظة الفارقة، فمتى يحين أوان الحساب والانتصار؟