ليست وليدة اليوم.. مطالبات متجددة لسياسيين ونواب وإعلاميين بعودة مؤسسات الشرعية إلى الداخل وإدارة الدولة من الميدان

ليست وليدة اليوم..  مطالبات متجددة لسياسيين ونواب وإعلاميين بعودة مؤسسات الشرعية إلى الداخل وإدارة الدولة من الميدان
استمع للمقال النص المسموع تلقائي ناتج عن نظام آلي
مشاركة الخبر:

تتجدد ما بين حين و اخر في اليمن الدعوات السياسية والبرلمانية والإعلامية المطالبة بعودة قيادة الشرعية ومؤسسات الدولة إلى الداخل، ومباشرة مهامها من العاصمة المؤقتة عدن والمحافظات الواقعة تحت سلطة الحكومة المعترف بها دولياً، في ظل استمرار إدارة جانب من الملفات السياسية والتنفيذية من خارج البلاد.

ولا تمثل هذه الدعوات موقفاً طارئاً أو وليد التطورات الأخيرة، إذ تكشف مواقف وتصريحات سابقة أن مطلب العودة إلى الداخل ظل حاضراً على مدى سنوات، وطرحته شخصيات سياسية وبرلمانية وحكومية وإعلامية، انطلاقاً من أن فاعلية الدولة لا ترتبط فقط بالاعتراف بها، وإنما بقدرتها على الحضور في الميدان وممارسة صلاحياتها ومتابعة تنفيذ قراراتها.

وفي هذا السياق، رصد موقع «المنتصف نت» عدداً من التصريحات والمواقف السابقة التي دعت إلى عودة الرئاسة والحكومة ومجلس النواب وسائر مؤسسات الدولة إلى الداخل، وتحويل وجودها في عدن من حضور مؤقت إلى ممارسة مؤسسية منتظمة.

ومن أبرز هذه المواقف ما صدر عن الأمين العام للتنظيم الوحدوي الشعبي الناصري عبدالله نعمان. ففي يوليو 2017، دعا إلى أن «تتواجد الرئاسة والحكومة في عدن، وأن تعمل بشكل مؤسسي»، معتبراً أن وجود مؤسسات الدولة في الداخل يمثل ضرورة لاستعادة الدولة وإدارة المناطق المحررة، كما انتقد آنذاك أداء الحكومة وعدم قدرتها على إدارة الدولة وتلبية احتياجات المواطنين.

وفي ديسمبر 2020، ومع تشكيل حكومة وفق اتفاقية الرياض، جدد نعمان موقفه، على أداء الوزراء اليمين الدستورية في الرياض، مؤكداً أن اليمين كان ينبغي أن يؤدي في عدن وفقاً لاتفاق الرياض والدستور، وقال إن هذه «حكومة الجمهورية اليمنية وليست حكومة منفى»، معتبراً أن أداء اليمين في الرياض يحمل رسالة سلبية بشأن وضع عدن ومدى تنفيذ الاتفاق.

وفي مواقف لاحقة، واصل نعمان انتقاد إدارة الشرعية من الخارج، رابطاً غياب القيادة عن الداخل بضعف حضور الدولة، ومشيراً إلى أن عدم إحكام وجود الشرعية في الداخل أتاح المجال أمام قوى إقليمية للتعامل مع القوى المحلية بصورة مباشرة.

وتتقاطع هذه المواقف مع تصريحات عضو مجلس النواب شوقي القاضي، الذي تساءل في نوفمبر 2019، عقب عودة رئيس الوزراء إلى عدن: «متى سيعود وزراء الداخلية والدفاع والصحة والتعليم والبقية؟ ومتى سينعقد البرلمان في عدن؟ ومتى سيعود الأخ رئيس الجمهورية؟»، في إشارة إلى أن المطلوب، من وجهة نظره، هو عودة متكاملة لمؤسسات الشرعية، وليس عودة الحكومة وحدها.

وجدد القاضي في يناير 2026 دعوته إلى انعقاد مجلس النواب في عدن، معتبراً أن عودة البرلمان إلى ممارسة مهامه من الداخل تمثل مؤشراً على استعادة الشرعية لدورها الطبيعي.

من جانبه، دعا النائب محمد مقبل الحميري في يناير 2022 إلى «عودة جميع مؤسسات الدولة للداخل»، واصفاً ذلك بأنه «ضرورة وطنية عاجلة»، قبل أن يجدد في 2023 مطالبته بعودة مجلس النواب إلى الداخل وانتظام جلساته.

كما ارتبط اسم النائب علي محمد المعمري بالمطالبة بتفعيل الدور الرقابي لمجلس النواب وتعزيز حضوره في المحافظات المحررة.

وفي يوليو 2025، شكلت هيئة رئاسة المجلس لجنة للنزول إلى عدد من المحافظات، بينها عدن وتعز ولحج والضالع، لمتابعة النشاط الإداري والمالي والموارد العامة والاختلالات في أداء المؤسسات.

وتعود الدعوات الحكومية إلى إدارة الدولة من الداخل إلى السنوات الأولى للحرب، حيث أعلن الناطق السابق باسم الحكومة راجح بادي في 2015، مع عودة الحكومة إلى عدن، أن إقامة رئيس الوزراء والوزراء فيها ستكون دائمة، قبل أن يؤكد في 2016 أن عودة الحكومة تستهدف إدارة شؤون البلاد من الداخل.

ولم يبقَ النقاش محصوراً في السياسيين والبرلمانيين، إذ برزت خلال الفترة الأخيرة أصوات إعلامية تنتقد استمرار إدارة الدولة من الخارج، من بينها الصحفي أحمد الزرقة الذي دعا في أغسطس 2026 إلى وجود القيادة السياسية داخل اليمن وممارسة مهامها من العاصمة المؤقتة عدن.

وتكشف هذه المواقف، الممتدة من 2015 وحتى 2026، أن الدعوة إلى العودة إلى الداخل ليست جديدة، وإنما مطلب متكرر تطور من المطالبة بعودة الحكومة إلى عدن إلى الدعوة لعودة الرئاسة والحكومة والبرلمان وسائر مؤسسات الدولة وممارسة اختصاصاتها بصورة منتظمة.

ويذهب أصحاب هذه الدعوات إلى أن وجود مؤسسات الدولة في الميدان من شأنه تقليص الفجوة بينها وبين المواطنين، وتعزيز الرقابة والمساءلة، وتسريع التعامل مع الملفات الاقتصادية والخدمية والأمنية، بدلاً من إدارتها من خارج البلاد أو عبر اجتماعات واتصالات عن بُعد.

وفي المقابل، تظل التحديات الأمنية والسياسية عائقاً أمام عودة دائمة ومستقرة، في ظل استمرار الانقسام وتعدد مراكز النفوذ.

غير أن جوهر النقاش لا يتعلق بمكان إقامة المسؤولين بقدر ما يتعلق بقدرة الدولة على الحضور وممارسة سلطاتها وتحويل قراراتها إلى نتائج ملموسة.
ومن ثم، فإن «العودة إلى الداخل» لا تبدو، وفق هذه المواقف، مجرد خطوة جغرافية، وإنما اختبار لفاعلية الشرعية نفسها: هل تستطيع مؤسساتها أن تكون حاضرة في الميدان، وأن تعمل بصورة منتظمة، وتمارس الرقابة والمساءلة، وتستجيب مباشرة لاحتياجات المواطنين؟
وبهذا المعنى، فإن ما يتجدد اليوم ليس فكرة جديدة، بل مطلب قديم يعاد طرحه بإلحاح أكبر: أن تنتقل الشرعية من إدارة الدولة عن بُعد إلى ممارسة الحكم من الميدان، حيث توجد مؤسساتها ومواطنوها والملفات التي يفترض أن تديرها.