استهتار وزارة المالية بمعاناة الموظفين النازحين وتواطؤ الصمت الحكومي

استهتار وزارة المالية بمعاناة الموظفين النازحين وتواطؤ الصمت الحكومي
استمع للمقال النص المسموع تلقائي ناتج عن نظام آلي
مشاركة الخبر:

​تستيقظ الحكومة الشرعية كل صباح على خطبة زهدٍ وبلاغة منمقة، ثم تمد يدها في جيب الموظف النازح لتعيد ترتيب محفظته الفارغة. إنها المعجزة الاقتصادية الوحيدة التي تفوقت فيها مكاتب العاصمة المؤقتة: كيف تطيل أمد الجوع لشهر عاشر، وربما عام كامل، بينما يُدير سماسرة الأرقام سباقاً محموماً في الابتكار الإداري لتعطيل البنوك وتحويل صرافة المرتبات إلى “لعبة لغز” تحتاج إلى عرافٍ هندي ليجد طريقها!

​في أروقة وزارة المالية، حيث تفوح رائحة القهوة الباردة والقرارات الميتة، يدير الموظفون العابثون معركتهم الكبرى ضد لقمة عيش المواطن. هؤلاء الذين ورثوا كراسي العبث عن سلفٍ وخلف، لا يزعجهم أن يرى الأستاذ الجامعي أو الطبيب أو المعلم أطفاله وهم يتناولون الهواء بالمعايير الدولية؛ بل يروقهم جداً أن يتحول الكادر الوطني إلى متسولٍ محترف يتسكع أمام نوافذ الصرافين، يرجو عطف خوارزميات النظام التي لا تُخرج نقداً إلا بعد تلاوة تعويذة سحرية.

​وما أجمل المفارقة! وزير مالية يُفترض أنه يحمل إرثاً عريقاً ونقياً كإرث والده العظيم الدكتور فرج بن غانم، يترك مقاليد الأمير لكتيبة من المخلفات والبيروقراطيين الذين يتقنون فن «التطفيش الممنهج». تراه جالساً يوقع معاملات وهمية بينما مكتبه يتحول إلى متحفٍ مفتوح لتكريم الفشل العريق. وكأن الشعار المرفوع على جدران الوزارة أصبح بحق: «لا نبالي بجوعك، فالمهم أن يبقى حسابنا في البنك بخير».

​أما في الجانب الآخر من المهزلة، يقف الموظف النازح بطل الرواية التراجيدية وصانع خيبتها الأكبر. يعيش حالة نادرة من الانفصام الإداري؛ يشكو من التردي على وسائل التواصل الاجتماعي بحماس ثائر، ثم يخلد إلى النوم في سريره الدافئ متجاهلاً أي دعوة لوقفة احتجاجية حقيقية، وكأن الراتب سينزل من السحاب عبر الطرود البريدية. إنه يمارس النضال من خلف شاشات الهواتف المحمولة ببطارية وشحن ضعيفين، ثم يتفرغ لإحباط كل من يحاول رفع صواريخ صوته دفاعاً عنه، مشككاً في النوايا، وموزعاً صكوك التخوين على كل متطوع شجاع.

​مجلس قيادة رئاسي ومجلس وزراء يتربعان على تلة الوعود الوهمية، يوزعان الشفقة بالقطاعي ويغلقان أبواب الخزائن بالضبة والمفتاح، معتبرين أن صرف مرتبات عشرة أشهر خلت ترفاً زائداً لا يحتاجه من استبدل بيته بمرآب إيجار وخيم نزوح!

​يبقى السؤال المعلق على شفتي كل مظلوم: هل سنظل ننتظر معجزة إلهية تسقط علينا كالملائكة لنصرة المقهورين، أم أننا سنستمر في إطعام «فرسان الخذلان» من أعصابنا المنهكة؟ الحقوق لا تُشترى بالبكاء على أطلال الشرعية، ولا تُسترد بـ «إيموجي» الغضب على الفيسبوك. فإما أن يُنتزع الراتب بوقفة شجاعة تُزلزل كراسيهم البلاستيكية، أو يستمر هذا المسرح الهزلي عروضاً مجانية حتى يرتدي الجميع أكفان الصمت الأبدي.