26 سبتمبر.. ذكرى تتجدد في وجدان اليمنيين

منذ 3 أيام
مشاركة الخبر:

تطل علينا ذكرى السادس والعشرين من سبتمبر الخالدة لتعانق أرواح اليمنيين وتوقظ في وجدانهم حكاية العزيمة التي هزت عروش الظلام وأزاحت غياهب القرون الاستبدادية. إنها ليس مجرد تاريخ مسطور في صحف الماضي، بل هي نبض متجدد يتدفق في عروق الوطن، وروح سرت في الأبدان لتبدد ليل الجهل والكهنوت. كيف لا، وهي اللحظة الفارقة التي اشرقت فيها شمس الحرية على ربوع اليمن، معلنة ميلاد إنسان جديد يرفض الانكسار ويسعى نحو الكرامة والمواطنة السوية.

في كل عام، يتحول هذا اليوم إلى ملحمة وطنية فريدة تتجاوز أطر الاحتفال التقليدي لتصبح طقساً مقدساً في الذاكرة الشعبية والسياسية. من شوارع المدن المزدحمة إلى قرى الجبال الوادعة، ومن الساحات العامة إلى الفضاء الرقمي ومنصات التواصل الاجتماعي، يتسابق اليمنيون لرفع رايات الجمهورية وتزيين الجدران بصور الأحرار الأبطال. تذوب الفوارق وتتعالى أصوات الأناشيد الثورية الخالدة وتصدح الحناجر بكلمات الشعر والقصائد التي خطها وجدان الأمة، لتتحول الشاشات والواقع إلى كرنفال وطني ينبض بالحياة والإصرار على البقاء، مؤكدين أن شعلة سبتمبر لن تنطفئ مهما اشتدت العواصف.

يأتي هذا الاحتفال العظيم وسط واقع يمني بالغ التعقيد، يثقله الانقسام السياسي والاقتصادي والاجتماعي، لتغدو ذكرى الثورة مرآة صادقة يرى فيها الشعب ملامح جراحه وآماله. إن استحضار ثورة 26 سبتمبر اليوم ليس ترفاً فكرياً، بل هو صرخة وجدانية واستلهاث بليغ لقيم التحرر والعدالة في مواجهة مخلفات الماضي وأزمات الحاضر. يربط اليمنيون اليوم همومهم اليومية ومعاناتهم الاقتصادية والاجتماعية بهذه الذكرى، مستلهمين منها روح المقاومة والصمود، ومؤكدين أن تضحيات الأبناء والأجداد تظل البوصلة التي تقي الوطن التيه والضياع.

وسط هذا المخاض، يبرز السؤال الأعمق والأكثر إلحاحاً في الشارع اليمني: ماذا بقي من سبتمبر؟ 

إنه تساؤل يحمل في طياته غصة الحنين ومرارة الواقع، حيث يبحث اليمنيون عن الدولة العادلة، والمواطنة المتساوية، والتعليم الذي يفتح الأفق، والعدالة الاجتماعية التي تضمن لكل فرد حقه في العيش الكريم. لم يكن النظام الجمهوري يوماً مجرد شعار سياسي، بل كان وعداً بمستقبل مشرق ينهض بالإنسان اليمني ويكفل حريته. وحين يتأمل الأجيال هذا الإرث، يقف جيل الأبناء الذي عايش حكايات الثورة جنباً إلى جنب مع جيل الشباب الذي نشأ وسط أتون الصراع والتحولات، ليروا في ثورة 26 سبتمبر طوق النجاة. فالشباب اليوم، رغم قسوة الواقع وصعوبة الظروف، ينظرون إلى هذه الذكرى كرمز مطلق للأمل والتغيير، يربطون أحلامهم بغدٍ ومستقبل يحمل ملامح الجمهورية الحقة التي ضحى من أجلها الأحرار.

ويبقى الفن والثقافة الحصن الحصين الذي يحمي هذه الذاكرة العطرة من النسيان؛ فالأغنية الوطنية والقصيدة الشعبية والخطاب الحي ظلوا على مر السنين النبع الصافي الذي يستقي منه اليمنيون معاني الفداء والوفاء. عبر الكلمة الملحونة واللحن الشجي، ظلت ثورة سبتمبر حية في قلوب الصغار والكبار، تتناقلها الأجيال كوصية مقدسة. إن السادس من سبتمبر يثبت يوماً بعد يوم أنه ليس مجرد حدث تاريخي عابر، بل هو الهوية والروح التي تجمع اليمنيين، والوعد الأبدي بأن فجر الحرية قادم لا محالة، مهما طال ليل المعاناة والظلام.